لماذا تتطور العلاقات على الأصعدة الثنائية بين إيران ودول أوروبا الغربية على أساس مبدأ المصالح المتبادلة بينما لا تزداد علاقات الولايات المتحدة مع هذه الدولة الاسلامية إلا سوءا على سوء؟ الإجابة بسيطة.. فالتعامل الأميركي مع ايران لا ينطلق من مبدأ تبادل المصالح وإنما من اعتبارات حماية اسرائيل لتكون الدولة العظمى الاقليمية المهيمنة على الجميع في منطقة الشرق الأوسط. قبل يومين تحدث الرئيس الايراني محمد خاتمي من تلفزيون طهران مستبعداً أي حوار مع واشنطن. «فكيف تتحاور مع طرف يستخدم ازاءك لغة الحرب؟». وإذا أخذنا في الاعتبار ان خاتمي يُصنّف وفقاً للمعايير السياسية الايرانية بأنه زعيم «اصلاحي ومعتدل» فإن مغزى تصريحه الأخير يعني ان الخصومة الايرانية الأميركية، التي ابتدأتها واشنطن منذ قيام النظام الثوري الاسلامي في عام 1979 ربما تكون الآن قد بلغت نقطة اللاعودة. لقد اكتسح خاتمي الانتخابات الرئاسية الايرانية بفوز كاسح وساحق على أساس وعد قوي بتحسين علاقات ايران مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة. وما ان تسلّم مقاليد السلطة حتى ألقى خطاباً تاريخياً أعلن فيه ان مرتكز سياسته الخارجية فتح حوار بين الحضارات بصورة عامة وبين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية بصفة خاصة. وبقدر ما لقيت هذه الدعوة تجاوباً عملياً من دول الاتحاد الأوروبي بقدر ما لقيت استخفافاً ثم صداً عدوانياً من الولايات المتحدة. وأكثر من ذلك فإن واشنطن عمدت في عهد بيل كلينتون وعهد جورج بوش من بعده الى اتخاذ المزيد من التدابير العدائية الصريحة ضد الدولة الايرانية. وبمراجعة مسلسل الخطوات العدوانية الاميركية ضد ايران قبل عهد خاتمي وبعد تسلمه السلطة حتى الآن فإن المراقب لمسار هذه الخصومة الاميركية غير المبررة يكتشف ان الخطوة التالية في التصعيد الأميركي ربما تكون هجوماً عسكرياً شاملاً. لقد كانت أدنى درجات هذا النهج العدواني الأميركي ضد ايران قطع العلاقات الدبلوماسية في وقت مبكر من قيام النظام الاسلامي. أما أعلى درجاته فتتمثل الآن في تصنيف ايران كعضو فيما أطلق عليه بوش «محور الشر» (جنباً الى جنب مع العراق وكوريا الشمالية). ومعنى هذا ان تصور واشنطن لأي علاقة مستقبلية أميركية مع ايران هو تصور يقوم بالضرورة على أساس حالة حرب. وما بين قطع العلاقات الدبلوماسية الاميركية مع طهران وتصنيف ايران كإحدى دول «محور الشر» تبرز محطات عدوانية أخرى متفاوتة. ومن بين هذه المحطات ما يلي: ـ ان واشنطن تجمد أرصدة في البنوك الأميركية بمليارات الدولارات تابعة للحكومة الايرانية. ـ ان اسم ايران يبقى ثابتاً على القائمة الرسمية الأميركية للدول «الراعية للارهاب».. وهي قائمة تتجدد سنوياً دون ان يسقط عنها اسم الدولة الايرانية. ـ ان الولايات المتحدة تفرض على ايران نظام عقوبات اقتصادية وتجارية ثابتة بما في ذلك منع شركات النفط الاميركية من الدخول في مشاريع نفطية من أي نوع مع ايران. ـ إن واشنطن تتخذ معارضة شرسة ضد البرنامج النووي الايراني، علماً بأنه برنامج مصمم للاستخدام السلمي لتوليد الطاقة الكهربائية وعلماً بأنه يخضع لعمليات تفتيش من «وكالة الطاقة الذرية» الدولية. وفي هذه الأثناء تتطور علاقات دول الاتحاد الأوروبي مع ايران على خط مواز في كافة مجالات الاقتصاد والتجارة بما في ذلك استثمارات مشتركة عملاقة في الميادين التنموية، خاصة في القطاع النفطي. وليس من الصعب تفسير هذا التناقض بين السياسة الاميركية والسياسة الأوروبية تجاه ايران. فالمرتكز الأساسي لثوابت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط يتمثل في اعتبارات أمن اسرائيل وضمان تفوقها وهيمنتها في المنطقة دون منازع. هنا تستوي رؤية واشنطن تجاه ايران والعراق في آن معاً. فكلاهما قوتان اقليميتان في المنطقة، وبالتالي تمثلان خطراً ماثلاً أو مستقبلياً على الهيمنة الاسرائيلية. وما لم تتغير هذه الرؤية الاميركية فإن ايران، كما العراق، سوف تبقى من وجهة النظر الأميركية عدواً استراتيجياً ثابتاً حتى لو اقتضت المصالح الحيوية الاميركية غير ذلك. فاسرائيل هي التي تتولى تسيير السياسات الدولية للولايات المتحدة وليس العكس.