ليست القضية في فلسطين هي من يخرج من السلطة ومن يبقى فيها، ولا ما اذا كانت أجهزة الأمن سينخفض عددها الى أربعة أو ستة، ولا ما إذا كان دحلان سيفوز على الرجوب أو العكس، ولا ماذا كان وزراء السلطة سيصبحون 19 كما طلبت واشنطن أو أكثر أو أقل (ولا أعرف لماذا 19 بالذات؟!) بل أن القضية لا يحددها حتى مدى السلطات التي ستبقى في يد عرفات أو التي يتخلى عنها. كل هذه التفاصيل يحكمها سؤال واحد: هل يبقى خيار المقاومة هو الخيار الاساسي حتى ينتهي الاحتلال أم لا؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي محور المعركة التي تدور على أرض فلسطين، بل وفي العواصم العربية والأجنبية ذات الصلة. والإجابة على هذا السؤال هي التي ينبغي ان تشغلنا وتستقطب اهتمامنا حتى لا نتوه في التفاصيل، وحتى لا تخدعنا لافتات ترفع باسم الإصلاح وضرب الفساد واعادة البناء بينما مايجري على الأرض بعيد عن كل ذلك.. أو هكذا تريد واشنطن، ويأمل شارون ويناور البعض داخل السلطة نفسها!! وعندما يكون مروان البرغوثي تحت التعذيب في السجون الاسرائيلية، وأحمد سعدات تحت الحراسة الامريكية البريطانية في سجون السلطة، بينما محمد رشيد هو الذي يفاوض باسم الشعب الفلسطيني ويحدد مع المخابرات الأمريكية خطوات (الاصلاح) التي ستنفذها السلطة الفلسطينية وبرنامجها الزمني. فإن علينا ان نقلق كثيرا على المستقبل! وعندما يتم التركيز على الاصلاحات الادارية أو الخلافات الشخصية بينما الدبابات الاسرائيلية تقتحم المدن والقرى الفلسطينية يوميا، وتقتل وتعتقل وتفرض الاذلال على الشعب المجاهد.. فهذا عبث لا تحتمله المرحلة! وعندما تتبادل فصائل المقاومة والسلطة الاتهامات، وتنقسم حتى (فتح) على نفسها، بينما شبح الاغتيال والقتل يهدد الجميع، واسرائيل - بمعاونة العملاء - تصطاد قادة المقاومة الحقيقيين.. فهذه جريمة لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال! ان ماهو مطلوب الآن ليس السعي لنيل احترام الرئيس الأمريكي بوش الذي لم يعد لديه مايقوله عن القضية الفلسطينية الا تلك الاسطوانة المشروخة التي لا يمل من ترديدها عن أن الرئيس عرفات لم ينل احترامه، وانه (عرفات) أضاع الفرص التي اتيحت له للوصول الى تسوية عادلة! إن هذه الأكاذيب التي يرددها الرئيس الأمريكي قد تخدع الشعب الأمريكي الخاضع لسطوة الاعلام الصهيوني، ولكنها لا تخدع أحدا في الوطن العربي، فما عرض على الرئيس الفلسطيني كان لا يمكن قبوله وموقفه الرافض لهذه المقترحات في كامب ديفيد هو النقطة الاساسية الايجابية في رصيده لدى الشعب الفلسطيني الذي يدرك أن الحصول على احترام رئيس أمريكي يعتبر شارون رجل سلام هو أمر لا يمكن أن يكون (محترما) في حد ذاته، وخطوة سيكون ثمنها فادحا على القضية الفلسطينية. وليس المطلوب هو (تهدئة) شارون وجلبه الى طاولة المفاوضات كما تردد أصوات تدعى (الحكمة) لأن ذلك لن يحدث الا بشروط تعني الاستسلام الفلسطيني، ولأن ذلك وحده هو الذي يعني انتصار شارون.. فكل مافعله من مذابح لم يحقق له - حتى الآن - أهدافه، ولكنها ستتحقق اذا وافقت القيادة الفلسطينية على شروطه وجلست للتفاوض تحت وطأة الدبابات الاسرائيلية التي تحتل وتحاصر وتقتل وتجتاح! ان الموقف صعب، والضغوط على الفلسطينيين هائلة، والشعب يئن تحت الحصار والمذابح ومع ذلك يصنع المعجزة ويصمد وليس المطلوب الآن هو الخضوع للابتزاز الأمريكي - الاسرائيلي. وانما مراجعة أمينة من جانب كل الفصائل والتنظيمات والوصول الى رؤية لإدارة الصراع تتمسك بالثوابت ولا تتخلى عن الحقوق، وفي نفس الوقت تتلافى اخطاء الماضي وتعالج أوجه القصور. وإذا كانت الأوضاع الفلسطينية الآن هي النتاج الطبيعي لاتفاقات أوسلو، فإن مافاقم من هذه النتائج هو تلك النظرة لأجنحة نافذة في السلطة بأن معركة التحرير قد انتهت وان اساس العمل الوطني - بعد أوسلو - هو بناء الدولة. هذه النظرة هي الأساس في العديد من الاخطاء والخطايا التي وقعت. حيث بدأ الصراع على تقاسم المغانم، وبدأ الانفصال عن قواعد المناضلين، وبدأ البعض يرتب أوضاعه في ظل الدولة المرتقبة، وانشغل البعض بالحصول على التوكيلات التجارية بدلا من مواصلة العمل النضالي، بينما كان البعض يقيم التحالفات الشخصية ويرتب لخلافة عرفات ويستعد لها! كان هذا هو الخطأ الأساسي، أن الكل انصرف عن استكمال معركة التحرير باعتبار ان الدولة قادمة لا ريب فيها، وان أوسلو قد فتحت لها الأبواب والنوافذ، وان الفترة الانتقالية ينبغي ان تستمر لترتيب الأوضاع حين يعلن الاستقلال. وكان هذا تفاؤلا في غير محله. فقد نسى الكثيرون ان أسلو تركت كل القضايا النهائية للتفاوض المقبل، وان اسرائيل لن تستسلم بسهولة، وانها - في أحسن الأحوال - تريد للفلسطينيين وضعا قد يكون أفضل من الحكم الذاتي ولكنه بالقطع ليس الدولة المستقلة التي تملك مقومات الحياة والتي يعتبرها الكثيرون واسرائيل تهديدا لـ (دولتهم) وانهاء لفرصها في التوسع الذي قامت على أساسه. بالطبع كان مطلوبا انشاء الأجهزة الادارية لتسيير الأمور في المناطق المحررة، وكان مطلوبا ان تقوم السلطة بدورها في تجسيد الحلم الفلسطيني داخليا وخارجيا. ولكن كان لا ينبغي ان تغيب الحقائق يوما في مشاكل تسيير العمل أو مصاعب المفاوضات العبثية التي لم تنقطع. والحقائق كانت تقول ان الاحتلال باق، وان التفاوض لن يؤدي الا لتجسيد موازين القوى الحقيقية، وان اسرائيل مازالت غير مستعدة للسلام، وان مهمة البناء تأتي بعد التحرير، وان السلطة لا ينبغي ان تلغي المنظمة الاساسية الممثلة للشعب الفلسطيني وهي منظمة التحرير. غابت هذه الحقائق.. وكانت النتيجة ان الشلل أصاب منظمة التحرير فتعطلت الأداة الأساسية التي تجمع الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات وغاب الميدان الأساسي للحوار الوطني وصولا الى القرار السليم في المواقف المصيرية. وانشغل البعض في السلطة بصراعاتهم ومصالحهم الشخصية، وغابت الديموقراطية الحقيقة داخل (فتح) وغاب الحوار بينها وبين باقي منظمات المقاومة. وهكذا عندما تأزم الموقف، واندلعت الانتفاضة، لم تكن القيادة مستعدة للتعامل معها. وبرزت الخلافات داخل السلطة حول الانتفاضة، وظهر العجز في التعامل معها. ولأن الانتفاضة أعادت الامور الى طبيعتها فقد بدأ البون شاسعا بين قيادة أرادت من الانتفاضة ان تحسن من موقفها التفاوضي إلى الحدود التي يمكن أن تقبلها واشنطن وتل أبيب بين الفصائل التي قادت الحركة على الأرض والتي حددت للانتفاضة هدفا واحدا هو انهاء الاحتلال واعلان الاستقلال. وكان طبيعيا ان تفرز الانتفاضة قياداتها، وان تحاول علاج أوضاع طال اهمالها فتتشكل قيادة موحدة للتفاوض تنسق بين الفصائل التي كان ينبغي ان تكون جبهتها الواحدة هي أساس الحكم منذ قيام السلطة. وكانت هذه فرصة جديدة لتصحيح الأوضاع وبرزت الدعوة لحكومة ائتلاف وطني تقود العمل في هذه المرحلة الصعبة.. ولكن الدعوة تم وأدها لأن السلطة - من ناحية - كانت تدرك ان ذلك يقيد حركتها ويلزمها بسقف سياسي اعلى بكثير من السقف الذي تتحرك تحته، ولأن الفصائل كلها - من ناحية اخرى - لم تنضج الحوار والعمل المشترك بينها بما يفرض منطق الجبهة على الجميع ولأن الضغوط الخارجية - من ناحية ثالثة - تحالفت مع الفساد الداخلي لكي تمنع الخطوة التاريخية بين رفاق السلاح. الوضع الآن اسوأ بكثير، عرفات خرج من حصار رام الله الى حصار أكبر حيث يجد نفسه مطالبا بانهاء المقاومة أو ماتبقى منها بعد المجازر الاسرائيلية. والضغوط الأمريكية تتحالف مع غطرسة القوة الاسرائيلية لتنتزع من العرب ادانة لـ (العنف) وحصارا على المقاومة، وتنزع من عرفات اهانة للشهداء باعتبار العمليات الاستشهادية (ارهابا) وتفرض على السلطة منهجا للاصلاح يكفي أن يكون من يتفاوض بشأنه هو محمد رشيد لنعرف أن المطلوب في هذا المنهج هو ضمان أمن - اسرائيل وانهاء المقاومة وارغام عرفات على تقديم كل التنازلات المطلوبة وتحويل السلطة الى جهاز أمن لاسرائيل - ثم التفاوض تحت تهديد السلاح الاسرائيلي الذي سيظل وحده هو صاحب القرار.. أو هكذا يتوهمون! ومواقف أطراف الصراع تنذر بأفدح المخاطر. فواشنطن مصممة على تطبيق (الأجندة) التي وضعتها لـ (تهدئة) الموقف في فلسطيني تمهيدا لضرب العراق وما يستتبعه من اعادة (تنظيم) المنطقة. واسرائيل مصممة على ترجمة نتائج عدوانها الهمجي الى نتائج سياسية تترك الضفة الغربية في قبضتها وتمنحها الوقت الكافي لاستكمال تهويد القدس وفرض الأمر الواقع لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها بالغاء حق العودة وربما بحملة جديدة من التهجير الجماعي للفلسطينيين. والعرب عاجزون وغاية مناهم هو اقناع واشنطن بالتدخل وهم يدركون أن تدخلها لن يكون الا لصالح اسرائيل ولكن خشيتهم من انتقال الانتفاضة لعواصمهم لا يجعل أمامهم خيار الا (السؤال) أو (التسول) للتدخل الأمريكي الموعود. وفي الداخل.. يحاول عرفات (المناورة) التي يضيق هامشها امامه يوما بعد يوم.. فالضغط الأمريكي شديد، واصرار شارون على المضي في مخططاته يتزايد، وفي المقابل سلطة فلسطين منهارة ومنقسمة على نفسها، وبوادر صدام سوف يكون - اذا وقع - هو الكارثة الاكبر في تاريخ النضال الفلسطيني.. فالصدام هنا هو بين السلطة التي تحاول الاستجابة للشروط الأمريكية وبين قوى المقاومة التي تدرك ان الاستجابة لهذه الشروط يعني ان تذهب دماء الشهداء سدى وان ينفتح الباب لأهوال سياسية يراد فرضها على الشعب الفلسطيني باعتبارها الطريق الوحيد لتخليصه من قبضة شارون! ان فصائل المقاومة تدرك ان الباب الذي انفتح منذ رفع الحصار عن الرئيس الفلسطيني بالشروط المهينة التي رافقته وبالأحداث المريرة التي تبعته ليس الا البداية لما هو أفدح. ان وضع أبطال المقاومة تحت رقابة السجانين البريطانيين الأمريكيين، وابعاد المقاتلين المعتصمين في كنيسة المهد، ثم ادانة السلطة للمقاومة، وتقاعسها عن حماية قادة النضال الحقيقيين ليتم اغتيالهم أو اعتقالهم بينما مسئولو الأمن مشغولون بتبادل اتهامات الخيانة على صفحات الصحف وشاشات التليفزيون.. كل ذلك يفتح الباب لما هو أسوأ، ويمهد الطريق لتنفيذ مااتفق عليه محمد رشيد مستشار عرفات مع المخابرات الأمريكية، والذي لم يعرض حتى الآن على أي قيادة فلسطينية مشروعة لاقراره. ان النتيجة الطبيعية لكل ذلك هو تفجر الخلاف العلني بين السلطة من ناحية وفصائل المقاومة بما فيها كتائب شهداء الاقصى جناح (فتح) العسكري.. حيث وجهت كل هذه الفصائل انتقاداتها العلنية واتهاماتها للسلطة التي ردت ببيانات عنيفة تهاجم فيها (حماس) وتتبرأ فيها من تنظيم (فتح) الذي يقوم بعمليات المقاومة! وسوف تزداد الأوضاع سوءا اذا استمرت الفجوة في الاتساع في ظل الضغوط الأمريكية والاوروبية والعربية، وتحت وطأة المحنة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل نازية الاحتلال الاسرائيلي، ومع تنفيذ باقي الاستحقاقات التي تطلبها أمريكا من عرفات لكي ينال.. احترامها!! إن الرهان على دور أمريكي عادل هو مجرد وهم، والحديث عن مؤتمر للسلام في ظل الاحتلال هو اهدار لكل المواثيق وضياع أكيد للحقوق الوطنية، وانتظار معجزة تتحول بها اسرائيل الى كيان مسالم هو خداع للنفس. وتعليق مستقبل شعب على احترام الرئيس الأمريكي لعرفات أو عدم احترامه هو مأساة. ودرس السنوات الماضية منذ أوسلو وحتى الآن يعلمنا ان طريق التنازلات اذا بدأ فلن ينتهي، ويؤكد لنا ان اسقاط السلاح قبل استكمال التحرير هو الجريمة الكبرى. ان كل فصائل المقاومة مدعوة الى كلمة سواء، تعلن فيها ان المهمة الآن هي استكمال معركة التحرير، وتطرح فيه البرنامج لاصلاح وطني يجمع قدرات الشعب الفلسطيني كلها في هدف واحد هو الحفاظ على المقاومة واستكمال تحرير التراب الفلسطيني حتى اعلان الاستقلال وانهاء الاحتلال. ان كل فصائل المقاومة مدعوة لتوحيد جهودها تحت قيادة واحدة تحدد الهدف بدقة، وتحشد الطاقات، وتمنع أي احتمال للاقتتال الداخلي، وتحدد بدقة ماهو مطلوب من كل الأطراف، وتنهي الخلافات حول نطاق عملياتها واهدافها، وتطرح على الجماهير برنامجها الكامل لانجاز مهمة التحرير، ثم تترك لأبوعمار أن يحدد موقفه.. مع برنامجها للاصلاح من أجل المقاومة حتى التحرير، أو مع اتفاقات مشبوهة لاصلاح يستهدف ضرب المقاومة وتكون جائزته الحصول على (احترام) الرئيس الأمريكي والجلوس مع (رجل السلام) شارون على مائدة المفاوضات لاستئناف مسيرة (سلام الشجعان) اياها!! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية