كان الله في عون ياسر عرفات هذه الأيام، فهذا (الختيار) الذي قضى عمره في قلب الاحداث وتحت الاضواء، صانعا الحدث حينا، ومصنوعا له احيانا، يريد شارون بجرة قلم ان يمحو اسمه، ويريد بوش بعدما اعلن بشكل خال من الذوق في ألمانيا الاسبوع الماضي بأنه (لا يحب عرفات)، يريد ان يحوله الى رئيس منزوع السلطات والصلاحيات .. يعني (خيال مآته) وعفوا للتعبير .. ولكن هذا ما يريده الاميركان .. والحق هنا على من، لا ندري، لكن الامور تسير في غير صالح (الختيار)، وهذا ليس مهما بالنسبة لنا، المهم هو الشعب الفلسطيني، والسؤال الاهم: هل ما يحدث من تحركات وتغييرات ، وتبديل كراس ومناصب ووجوه يصب في صالحه وفي صالح القضية؟ هذا هو السؤال الوحيد المهم وما عدا ذلك حرث في بحر السياسة المليء بالقاذورات!! ليس صحيحا ان ما يحدث في فلسطين مجرد ملهاة او مسرحية موت عبثية لا نهاية لها ان ظلت تسير بنفس الوتيرة، الصحيح ان ما يحدث في فلسطين محاولة يقوم بها الشعب الفلسطيني للقبض على زمام مصيره بيديه وللمرة الاولى، بمعنى ان الشعب الفلسطيني حاول كثيرا منذ مطلع القرن العشرين، لكنه في هذه المرة نجح في ان يضع العربة على مسارها الصحيح، وليس هناك احتلال رحل من اي بقعة كان يحتلها بطيب نفس، وليس هناك احتلال قدم الاستقلال هدية مجانية للشعوب التي يحتل اراضيها، الاحتلال لا يرحل، ولا تندحر جيوشه بغير السير على أرتال الشهداء والركام والمذابح ودخان الحرائق... هذا مشهد رحيل كل المحتلين والغزاة في التاريخ الانساني كله .. اما ما كان يفعله مسئولو السلطة منذ عام 1990 من اوسلو ومدريد وكامب ديفيد فلم يكن سوى ضياع للوقت وتضليل للشعوب والاجيال. ليس صحيحا ان مسار القضية بين الاسرائيليين والعرب سيدور في دائرة مفرغة اذا ما ظل الوضع على ما هو عليه، (فاسرائيل) تخسر يوميا وعلى مستويات خطيرة وكبيرة، فاذا كنا لانعلمها او لا يسمح لنا بالاطلاع على حجم خسائرها فتلك قضية اخرى لا تقلل من مأزق (اسرائيل) ومشاكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، اضافة لمكانتها في العالم الغربي ومن خلال الاعلام العالمي، فاسرائيل تفضح يوميا، وجرائمها لم يعد بالامكان تبريرها او التستر عليها، برغم كل الدبلوماسية والمصافحات الرسمية والزيارات المتبادلة بين رؤساء الغرب و (اسرائيل) وبرغم الوقوف حدادا امام نصب المحرقة المزعومة! (اسرائيل) تعصف بها نتائج الانتفاضة المستمرة، وتقتلها العمليات الاستشهادية المتكررة، وتتقاذفها اختلافات عميقة بين الاحزاب والصحف، ورجال الدين وناشطي السلام، برغم شعبية شارون، وكتاب الاعمدة السياسية في الصحف (الاسرائيلية) الكبرى الذين يدعمون موقف رئيس حكومتهم ويبررون حملة السور الواقي التي قام بها، ومع ذلك فالاقتصاد الاسرائيلي ينهار (لولا الداعم الاميركي) والهجرة من (اسرائيل) تتزايد، والعلاقات مع العرب تتدهور، والصورة الذهنية التي حاولت ترويجها عن نفسها كواجهة للديمقراطية وسط عالم من الديكتاتوريات والتخلف تهاوت، والخسائر مستمرة. ما يحدث في فلسطين، تحاول الولايات المتحدة برئيسها وادارتها واركان حكمها وترسانتها العسكرية واموالها وتحركاتها في العالم ان تضبط ايقاعه ليتماشى مع مصالحها ومصالح حليفتها الازلية (اسرائيل) وما الضغوطات لاصلاح السلطة، وتغيير عرفات والانتخابات، ومؤتمر الشرق الاوسط سوى محاولات فاعلة في هذا الاتجاه .. لكن السؤال يعود مكررا: هل ستنجلي هذه التحركات عن وضع افضل في المنطقة؟ وكيف سيكون؟ وكيف ستوزع الادوار الجديدة من قبل المخرج العالمي جورج دبليو بوش وادارته؟ برأيي المتواضع لا ارى ان استمرار الانتفاضة يقود الى تصفية الشعب الفلسطيني والاستمرار في دائرة العنف العبثي .. بل أرى انه الحل الوحيد للخلاص من اسرائيل، اما موت الشباب والتدمير و .. الخ فهو ثمن طبيعي للتحرر .. والفلسطينيون وحدهم في النهاية من يقررون ويختارون وهم على قدر اختيارهم لانهم هم الذين يعانون ويدفعون وتغلي بهم مراجل الغضب والانتقام الصهيوني، في البداية قلنا كان الله في عون الختيار، لكننا نقول اولا واخيرا ليثبت الله الاخوة في فلسطين على درب الجهاد دفاعا عن ارضهم ولأجل حريتهم.