هناك قاعدة في علم أصول الفقه تقول: ان من حُرم الاصول حُرم الوصول، وتعني هذه القاعدة العلمية ان من حرم معرفة قواعد واسس علم اصول الفقه، فلن يصل الى درجة الاتقان في علوم الفقه، لان معرفة الاصول هي المنفذ الصحيح لمعرفة التفصيلات الدقيقة التي ينبني عليها علم الفقه بمجمله والذي أراه جليا وانا أتأمل هذه القاعدة العلمية المحكمة ان هذه القاعدة تنطبق على كافة انواع العلوم الانسانية المختلفة. فمعرفة الكليات والاصول التي قامت عليها العلوم المختلفة شرط لفهم التفصيلات الدقيقة التي تنطوي عليها تلك القواعد، ومن غابت عنه العموميات فسوف يتيه امام التفاصيل الدقيقة لكل علم من العلوم. ورأي العلماء ان من فاته اجتهاده، فلن يسعفه ذكاؤه، فالذكاء شيء والاجتهاد لنيل المعرفة شيء آخر. غير ان هذه القاعدة العلمية الرصينة التي تنطبق على شتى المعارف والعلوم لا تجد لها جمهوراً يؤمن بها في مجتمعاتنا المحلية حين يتعلق الامر بعلم تربية الابناء، رغم انه علم غزير له قواعده واركانه، وله اصوله ومبادئه التي عن طريقها يكتمل بناء الانسان على الصورة اللائقة والمأمولة. ومن المؤسف ان استيعاب هذا المفهوم لدى جميع افراد المجتمع من الرجال والنساء غير متحقق، وليست له الارضية الكافية التي تجعل منه علماً مطلوباً على مستوى الجمهور الواسع من الرجال والنساء. اقرب شاهد على ما اقول هو توفر وعي جيد لدى الشاب المتخرج من الجامعة الذي يريد ان يدرس على سبيل المثال في كلية الطب حول ضرورة الجد والمثابرة والتعلم طيلة السنوات المقررة في الكلية لكي يكون جديراً ان يكون طبيباً غير ان هذا الحماس الصادق، وهذا الفهم الجيد تجاه مهنة الطب لا تجد له شبيها او نظيراً ـ في الغالب والاعم ـ في ذهن هذا الطالب حول موضوع تربية الابناء. وهذا يعني غياب رؤية واضحة لدى المتميزين من الشباب حول اهمية اكتساب معلومات تتصل بطرائق واساليب التربية الحديثة، وهو مؤشر يحمل دلالات واضحة على عدم وجود ثقافة مجتمعية سائدة حول قيمة اكتساب مثل هذه الخبرات العلمية في مستقبل الاسرة بل وفي مستقبل المجتمع بأسره. ولك ـ اخي القاريء ان تتصور سطحية المفاهيم التي لدى اولئك الشباب المنخفضي الدافعية للتعليم، الذين قطعوا حبال الوصل بينهم وبين التحصيل العلمي ممن جرّوا انفسهم جرا للنجاح الدراسي «او ممن جروا بضم الجيم» للنجاح وهم غير مؤهلين له. لك ان تتصور حالة الاعراض، والتخلي عن طرق باب المعرفة النظرية في مثل هذا الميدان؟ ان مثل هذا الطلب في تصور هؤلاء الشباب عبئاً لا يحتمل، وامراً لا يطاق. فمثلهم قد عجز عن تحمل اعباء الدراسة الالزامية النظامية التي كانوا يتهربون من تحمل تبعاتها فكيف نطالبهم بتعلم شيء لا يحمل صفة الالزام، ولا يقوى احد على محاسبتهم عن سبب جهلهم به!! ولو التفتنا تجاه ما يجري من احداث في العالم الذي يحيط بنا لوجدنا ان صحوة كبرى تجري في هذا الاتجاه. فبريطانيا تسعى في الفترة الحالية الى وضع الآباء والامهات في دائرة المعرفة العلمية بأساليب وطرق التعامل المدروس مع الابناء وذلك من اجل تقليل نسبة الخطأ في طرق التربية التي يمارسها الآباء البريطانيون. وقد رصدت الحكومة البريطانية من اجل تحقيق هذا الهدف مبلغ «540» مليون استرليني إيمانا منها بأهمية هذا الواجب القومي. واطلقت لذلك الهدف برنامجاً اسمته «البداية الراسخة» حيث يتعامل هذا البرنامج مع اولياء الامور، وينبثق من خلاله 250 برنامجا محلياً من هذا النوع. ومما يدل على حالة الصحوة الغربية التي تسود تلك المجتمعات فيما يختص بهذا الشأن تلك المقولة الشائعة المتعلقة بالام الجاهلة حيث يقول البرفيسور الاميركي الدكتور بنجامين سيوك المتخصص في علم نفس الاطفال «ان الام التي لم تقرأ كتب د. سيوك لن تعرف كيف تربي ابناءها تربية جيدة» هذا الشعور الايجابي تجاه المعلومة الصحيحة نحن اولى به من غيرنا، وليس لنا من خيار الا ان نؤمن ان من حُرم الاصول حُرم الوصول.