لم يكن بلاتر مبالغاً عندما شبّه مواطنه وأمين سره روفينين بـ «بروتس». على نقيض ذلك تماماً نجح الرجل السويسري بتلك العبارة في اختزال أبعاد الصراع ، الذي شهده الاتحاد الدولي لكرة القدم باستعادته ذلك المشهد الروماني التراجيدي الخالد. فرئيس اتحاد كرة القدم الدولي هو بالفعل أحد أباطرة هذا الزمان، إذ يُدير مؤسسة لها مقومات الامبراطورية بما لديها من سطوة ونفوذ على امتداد رقعة العالم، وبما لها من شعوب وشعوبية وعصبية وممتلكات وثروات وجنود مقاتلين. كما أن صراع قمة «الفيفا» شغل الناس كافة بما فيه من عناصر الإثارة الفضائحية في تلك التراجيديا بدءاً من السلطة والسياسة، مروراً بالصراع بما في ذلك الخيانة والغدر من الصديق القريب وانتهاءً بمخطط الإجهاز على القيصر. غير أن بلاتر نجح في الإفلات من السكاكين الطويلة لأنه لم يكن ميتافيزيقياً على طراز يوليوس قيصر، فأجهض مخطط حلفائه المتواطئين وأبطل مفعول سكاكينهم بحنكة الرجل البراجماتي. لم يكن وجود ابنة بلاتر مصادفة، كما أنها لم تكن مندفعة فقط بغريزة المرأة المعجبة بأبيها لتكون المرأة الوحيدة في ذلك المشهد الذكورى. مما لاشك فيه ان الرجل السويسري المخضرم في العمل العام ربع قرن ويزيد يعرف جيداً صدى ظهور امرأة خلفه ويعلم كذلك صدى دموعها وابتسامها لحظة اعلان الفرح. فالاثارة مهما كانت لا تكتمل في غياب المرأة. الصراع الذي جرى على قمة الفيفا كشف بوضوح ان رجال الاتحاد يمارسون هم كذلك اللعب خارج المستطيل الأخضر وان ذلك اللعب ليس بالضرورة أن يكون «لعباً نظيفاً» وانه في كل الأحوال يتطلب مثل اللعب في الميدان مهارات خاصة وتكون النتيجة لصالح الفريق الأكثر قدرة على استغلال المهارات والفرص. مخطيء من يعتقد ان اللعب داخل أروقة الفيفا خالٍ من السياسة، أحسب ان الذين ساندوا عيسى حياتو لم يفطنوا الى هذا العنصر كثيراً، الرجل نفسه أدار معركته بعقلية انقلابي افريقي، فالفيفا مؤسسة توازي في سطوتها منظمة الأمم المتحدة ولا يمكن أن يدور الصراع على رئاستها خارج حلبة موازين القوى السياسية بما في ذلك التقليدية مثل الصراع بين الشمال والجنوب. وإذا كانت دول العالم الثالث لاتزال تقاتل من أجل زيادة مقاعدها في الأدوار النهائية يكون من الغفلة الاعتقاد بالسماح لرجل من العالم الثالث بالوثوب إلى قمة الهرم. نعم أحياناً تحدث اختراقات للقواعد المكرورة، ولكن ما الذي يؤهل حياتو لإحداث مثل ذلك الاستثناء؟ الدول الأفريقية نفسها انقسمت إزاءه، بل وقفت الأغلبية ضده. إحدى قواعد كرة القدم الأساسية أن النجاح الإقليمي شرط لبلوغ العالمية. أعضاء «السنيت» الذين تآمروا ضد القيصر وجدوا في طموح حياتو ـ المشروع ربما ـ فرصة سانحة لممارسة ضغط من شأنه تشويه صورة الامبراطور، لكنهم كانوا على قناعة بأن الرجل الأسمر لن يطيح بالأبيض. ثمة قواعد أخرى بالغة الأهمية في كرة القدم فهي قائمة على العصبية المطلقة، فالجمهور لا يهجُر ناديه عندما يتعثر فريقه ولا يكره النجم الذي أحبّه حتى عندما يهدر أهدافاً واللجنة المركزية أو الجمعية العمومية لـ «الفيفا» لا يمكن أن تتخلى عن الرجل الذي رفعته إلى القمة لمجرد اتهامات خاصة إذا كانت مالية، فالمال في كرة القدم يُشكّل وسيلة متاءكلة ـ أكثر من أي مجال آخر ـ لبلوغ غايات بينها شراء النجوم. لو أن رجلاً بقامة يوهانسون يدرك أن المعركة ستنتهي إلى الاطاحة ببلاتر، لما ترك الفرصة سانحة أمام الكاميروني، غير أن رئيس الاتحاد الأوروبي يعلم بتجربته ان المسألة لن تذهب أبعد من إرباك خصمه اللدود. فالمعركة أصلاً بين خصمين أوروبيين بينهما ثأر قديم. يوهانسون رجل يملك مهارات اللعب خارج المستطيل الأخضر، لكن بلاتر أكد انه أكثر براعة. من قواعد اللعبة الشعبية كذلك أن هناك فارقاً كبيراً بين فريق يلعب من أجل الاحتفاظ بالقمة، وفريق يلعب وهو في المؤخرة، بلاتر كان يخوض معركة مصيرية بينما كان حياتو يدير معركة بالوكالة.