قرأت منذ أيام عن قرية بيوتها بلا أبواب.. جذبني الخبر الوارد من إحدى الولايات الهندية، فأهل هذه القرية الصغيرة الذين يعيشون على الفطرة يعتقدون بأن الأبواب نذير شرّ وتلحق اللعنة، بالساكنين خلفها، هكذا يصرّ هؤلاء البسطاء على الحياة من زمن أجدادهم حتى الآن.. ويقولونها دائماً؛ إن مكروهاً لم يصبهم، وما تعرّضوا في يومٍ لسرقة أو غزو! أعادتني قصة هذه القرية الهندية إلى زمن الخيام المنصوبة على رمال الصحراء المترامية و«العرازيل» المبنيّة من الأغصان والقصب التي كنا نقيم فيها خلال مواسم قطاف التين والعنب والخضار، مرسلين من أهالينا «نواطير» حقولٍ نصونها من الصبية العابثين. فهذه الخيام والعرازيل لم تكن تتحصّن بأبوابها الموصدة، بل كانت كلّها مشرعة للهواء والطبيعة البكر بفعل إيمان أهلها والثقة التي تعتمل في نفوسهم. قديماً، لم تكن الأبواب تفتح عيونها لترى القادمين، ولا أجراس مثبّتة على جوانب دفاتها لتبشّرنا بالأهل والأصدقاء، وما كان الـ «ريموت كونترول» قد ابتدعه بعد الفكر البشري ليتحكّم آلياً بدخول الزائرين وخروجهم، فالهواجس آنذاك كانت تنحصر بمحاولة سطو صغيرة يتكفّل بإفشالها كلبٌ صغير تؤويه العائلة. كان ناس ذلك الزمان يصنعون أبوابهم من أخشاب الأشجار الهرمة.. يفتحونها ويغلقونها من غير حاجة إلى مفاتيح وأقفال وسلاسل حديدية، فقد حفروا آيات الهية على أقواسها الحجرية، توسّلاً للحماية وإبعاداً للصوص الجبال وأفعالهم المشئومة. لم يبق من هذه الأبواب في قرانا البعيدة إلا القليل الذي يحرس العجائز في نهايات صبرهم الطويل. ظلّت هنالك محاطة بحجارة صخرية تغالب نخر السوس لمتونها المتهالكة، ولا تعير بالاً للتشقّقات التي خلّفتها أمزجة المناخ! ــــــــ أذكر من هوايات الطفولة الأثيرة التلصّص من خلف الأبواب واستراق السمع لأحاديث لا شأن لنا بها، وحين كان الأهل يضبطوننا، نُعاقَب احتجازاً في غرفة مظلمة وإقفال الباب علينا لساعات طويلة. أما لعبة الطرق على الأبواب فكانت هي الأخرى واحدة من تسالي المشاغبين، حيث يختارون بيت أحدهم ممن يشتهر بسرعة غضبه، فينفّذون المهمة ثم يطيرون هاربين فيما تلاحقهم شتائم لا تحصى! عندما كبرتُ قليلاً، انتبهت إلى أن الأبواب تخبئ خلفها حكايات كثيرة.. فالزعيم الذي حلّ حديثاً على شعبه لمحته خارجاً من باب قصره يطمئن الناس بعزمه على توفير الأمن والعيش الرغيد، ويدعوهم الى النوم وأبوابهم مفتوحة تأكيداً على صدق نواياه! ورأيت أبواب السجون وهي تفتح لحبس مذنبين وأبرياء.. خونة ومناضلين، حيث تجتمع النقائض جنباً الى جنب من دون وجه حق! وشاهدت بأم العين كيف يبدو شعور الأسرى وأهاليهم وهم يخلعون أبواب الزنازين في معتقل «الخيام» ويهتفون للشمس.. شعور لا يمكن أن يحسّ به السجّان إذا مادام حيّاً! ــــــــ وقدرة الباب على الكلام من القوة بحيث خصصت الثقافات جميعها قدراً لا حدّ له من الموارد الخاصة بابتكارها وصنعها، فالأبواب في بلاد الشرق الاقصى القديمة لها دلالاتها واهميتها في حياة الناس، كانت تدخل في المراسم والطقوس والشعائر، وعندما تنتقل إحدى نبيلات الصين الى مرتبة امبراطورة كانت تمرّ عبر عدد من البوابات الرائعة الخاصة بتلك الطقوس. وإلى جانب هذا الاستخدام الطقسي للأبواب فهي أيضاً تشير إلى قيمة المبنى ومن يقيمون فيه، إذ أن تصميماتها توحي بالسلطة وتحدّد طقوس المرور من أمامها وتدلّ على طبيعة ما يوجد داخل البيت.. فيما لغة الوضع الاجتماعي التي تتحدثها الأبواب، غالباً ما يتم تنظيمها بدقة متناهية.. هكذا تمثّل الأبواب الحمراء في الصين دلالة على السعادة، وهي مقصورة على البوابات الامبراطورية، اما الخضراء فيستخدمها عليّة القوم من الدرجتين الأولى والثانية، أما البسطاء فكانوا يدخلون من الأبواب السوداء. حين بدأ وعيي يتشكّل اكثر وضوحاً، ساد اعتقاد لديّ بأن ما بين الفرد والسلطة باب شفّاف يتواصل من خلاله الطرفان.. في حال الرضا، أما في الحال المعاكس فكان من السهل إرسال الفرد نفسه الى حجرة ضيقة أُقيمت تحت سابع أرض وخلف ألف باب وباب!