تنطوي الاشكاليات التي تمر بها الحكومة الاسرائيلية على مجموعة من التساؤلات يبدو ان اولها يتمحور حول مدى استمرار هذه الحكومة بعد اقالة اربعة من وزرائها ، واستقالة خامسهم من حزب شاس المتطرف، وكل ذلك كان نتيجة اعتراضهم عى الخطة الاقتصادية الطارئة التي قدمها رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون، والذي لم يكتف بالاطاحة بخمسة وزراء بل قام ايضا بتنحية اربعة نواب وزراء من حركتي شاس ويهدوت هتوراه علما ان الحزبين محسوبان على الائتلاف الحكومي وغالبا ما كانا يقفان مع قرارات شارون وخططه، سواء في الوزارة او في الكنيست. وتأتي هذه العاصفة بعد عاصفة الليكود التي كانت بمثابة الضربة الداخلية من حزبه، حينما لم يوافق الحزب على المضي في المفاوضات بشأن اقامة دولة فلسطينية بشروط شارونية حسبما اقترح في مشروع كان قد تقدم به لحزبه الليكود، مما يثير تساؤلات اشد دقة عن مدى استمرار حكومة شارون مع كل هذه التنافرات المهياة للتصعيد داخل الكيان الصهيوني، بعد مجموعة من النكبات التي عصفت بالصراع الحزبي الاسرائيلي. بالمقابل لابد من التساؤل عن المستقبل السياسي الذي يحيط بشارون نفسه داخل اسرائيل التي باتت تعيش بمجملها في التطرف الصهيوني الدموي. الفشل يحوم بعد ان فشل شارون في تمرير ارائه ضمن حزبه، شعر ان التأييد الجماهيري الذي اكتسبه نتيجة اعماله الارهابية لم يكن سوى ردة فعل من الشارع الاسرائيلي الذي لا يبحث سوى عن حل لازماته المتلاحقة وجاء الفشل الثاني والذي احدث ما يشبه الصاعقة عليه حينما لم يصوت الكنيست في القراءة الاولى على مشروعه التقشفي المتعلق بتخفيض الميزانية اثنى عشر مليار شيكل (27 مليار دولار) ورغم انه استطاع ان يمرره في القراءة الثانية وبمناورة سياسية محكمة الا ان هذا الحدث يشكل في حد ذاته اخفاقا شديدا في السياسة الشارونية الداخلية خاصة ان الاعتراض جاء من الائتلاف الحكومي وبالتحديد من الاحزاب اليمينية التي طالما اعتمد عليها في اوقات حرجة كثيرة. ان هذه الاشكالية بحد ذاتها تبرز على السطح مجموعة من المتناقضات داخل الكيان الصهيوني، سواء في المرحلة الحالية ام في المرحلة المقبلة وكان التصرف الشاروني هنا مفاجئا حتى للاوساط السياسية داخل اسرائيل ولكنه في واقع الامر وبعد اخفاقه داخل حزبه لم يستطع تحمل المزيد من الفشل الذي مني به وكان الخوف الاكبر ان تنتقل هذه الكوارث من حزبه الى الكنيست وهذا ما حصل واقعيا فقام باقالة الوزراء ولكن ذلك لم يكن مجانيا بل انطوى على مجموعة من التنازلات توزعت بين تياري اليمين واليسار ولكن تلك التنازلات بالنسبة لشارون لم تكن في فراغ بل سرعان ما بدأت الاتهامات التي طالت اليمين واليسار كمقدمة لنار خامدة، رغم محاولاته الظهور بمظهر المنتصر خاصة بعد تمرير خطته في الكنيست وتمرير الخطة بالنسبة لشارون هو الهدف الذي لابد منه لاسباب شخصية في المقام الاول تتعلق باستمراره في رئاسة الوزراء والحفاظ على هيبته التي تطاول عليها حزبه قبل غيره من الاحزاب. اضافة إلى الاسباب الاقتصادية والحزبية، فإذا رضخ شارون لحركة شاس وتنازل عنه خطته فإن الاقتصاد الاسرائيلي سيقف على حافة الهاوية، وهذا ما حاول ان يعبر عنه وزير المالية الاسرائيلي سيلفان شالوم الذي قال: «من المهم ان يتم التصديق على هذه الخطة لان اجواء الفوضى واجواء الاعداد للانتخابات ستضر بسوق الاسهم التي تأثرت اصلا بعشرين شهراً من الحرب». وامام هذا الانطباع الاقتصادي الذي يعتبر مشكلة حقيقية بالنسبة للكيان الصهيوني بشكل عام وشارون خاصة، كان لابد للأخير ان يحشد كل طاقاته لتمرير الخطة علما ان الاعتراضات الاولية لم تأت من حركتي شاس او يهدوت هتوراه، بل من بعض وزراء العمل ونوابه وحتى بعض اعضاء الليكود كوزيرة التعليم ليمور ليفانت التي تغيبت عن القراءة الاولى نتيجة الاقتطاعات التي طالت وزارتها في خطة شارون الاقتصادية. وضمن هذا الصراع لابد من التساؤل عن الآلية التي مرر بها شارون خطته؟ في المرحلة الاولى بدا غاضبا على حزبه ثم باشر بتجنيد الاكثرية من الاحزاب على طريقة الترغيب والترهيب، خاصة في صفوف حزب العمل والمفدال واسرائيل بعليا، وهدد حزبي الاتحاد القومي «اسرائيل بيتنا» وشاس المطرود ويهدوت هتوراه، وبذلك استطاع ان يحصل في القراءة الثانية على 65 صوتا مقابل اعتراض 26% وكانت نتائج هذا التصويت متناقضة بحد ذاتها وتطرح اكثر من سؤال، فحركة شاس وهي المفاجأة ايضاً لم تصوت ضد المشروع بل امتنعت عن التصويت ولكن الامتناع عن التصويت لم يكن في مصلحتها كما كانت تتوقع، وسبب هذا التغيير في الموقف السياسي لحركة شاس انها كانت تعتقد ان شارون سيتراجع عن قراره بطردها من الحكومة اضافة إلى التخوف الحقيقي من انفراده في السلطة، وكل ذلك يدخل ايضاً في باب الخلافات الداخلية التي تعانيها شاس نفسها وهذه الخلافات ظهرت بشكل واضح بين انصار رئيس الحركة ايلي بشاي وبين انصار ارييه درعي، علما ان الزعيم الروحي لحركة شاس عوفاديا يوسف الذي وصف شارون بالناكر للجميل بات في الآونة الاخير يميل إلى درعي اكثر من يشاي او بالاصح يعترض على تصرفات يشاي. وكان عوفاديا يوسف قد دعا الحركة في بداية الخلاف ان لا تنصرف إلى الهجوم على شارون كونه كان يأمل في العودة إلى الوزارة حتى بعد حين، اضافة إلى انه يخشى من بعض الاحزاب المتصارعة مع شاس ان تحل محله خاصة حزب شينوي العلماني الذي ابدى استعداده للانضمام إلى الحكومة. اما حزب العمل الذي يقف في المعارضة نظرياً فقد صوت إلى جانب الخطة باغلبية 22 صوتاً مقابل عضوين، وهذه ايضاً كانت مفاجأة ولها حسابات اخرى، اما احزاب المفدال واسرائيل بعليا وجزء من الاتحاد القومي «اسرائيل بيتنا» وحتى بعض اعضاء يهدوت هتوراه التي طرد بعض نواب وزرائها فقد صوتوا الى جانب خطة شارون، ومن خلال هذا الواقع الذي جرى في الكنيست الصهيوني نرى دلالات جديدة أولها ان جميع الاحزاب الاسرائيلية باتت تخشى من غضب شارون خاصة انه قد اخذ يسرح ويمرح على هواه بعد ارتفاع شعبيته في اسرائيل نتيجة اعماله الدموية وانقياد الشارع الى هذه الافعال، ولكن يبقى السؤال الاكبر هل تستطيع حكومة شارون الاستمرار ضمن الظروف الداخلية المتناقضة التي يعيشها الكيان الصهيوني؟ يبدو ان المسألة السياسية في تركيب الاحزاب الصهيونية ما زالت تزداد تعقيدا وحالة الصراع الحقيقي بدأت تظهر بشكل اكثر حدية وجدية من ذي قبل رغم تمرير مشروع شارون التقشفي والذي بالنهاية يخدم مصلحة معظم الاحزاب سواء بقيت داخل الائتلاف ام خارجه فبقاؤها يعني تخلصها من الضغوط الاقتصادية التي تمر بها اسرائيل وبخروجها تصبح في مكان لائق للمعارضة بمعنى ان جميع الاحزاب مستفيدة خاصة تلك التي تفكر عمليا بالانقلاب على شارون، وإذا كان ايلي يشاي الخاسر لوزرائه قد وصف ما جرى «بالخطة القذرة بين الليكود والعمل» فإن الزعيم الروحي لشاس قد بدأ حملاته المعروفة بالتطرف حتى ضد شارون وكذلك اتى عضو الكنيست شلومو بن عامي ليقول مهددا حزب العمل: «اذا لم يقم حزب العمل بالانسحاب من الحكومة الحالية قريبا فسوف اقدم استقالتي من الكنيست» والتهديد بالاستقالة خاصة من الكنيست يؤثر كثيرا على حزب العمل لان الحزب بحاجة الى دعم برلماني لتمرير اي مشروع يرغب به سواء اكان هذا المشروع ضد شارون او لمصلحة العمل. خيارات الهاوية في ظل الاحداث الداخلية الحزبية فإن شارون يعيش واقعا مختلفا عن الصورة التي نراه فيها، ويبدو ان جميع خياراته ستكون مشوارا نحو الهاوية خاصة مع وجود طرف بعيد نسبيا لكنه داخل المعادلة الان وهو المنافس الداخلي حزبيا لشارون بنيامين نتانياهو الذي اعلن عن استعداده لخوض الانتخابات المقبلة وبتأييد حقيقي من تياره في حزب الليكود. ولكن كيف يدير شارون كل هذه الازمات وما هي احتمالات النجاح؟ لقد اعلن حزب شينوي العلماني استعداده للانضمام الى الوزارة، وبالطبع فإن هذا الاستعداد مرهون بموافقة شارون الذي سيعيد الكثير من حساباته قبل التفكير بضم وزراء شينوي، لانه من جهة سيدخل وزارته في معارضة جديدة متحالفة نظريا مع حزب العمل وبالمقابل فضم حزب علماني يعني بالتأكيد انفجار معارضة يمينية لشارون، خاصة ان الاتحاد القومي واسرائيل بعليا والمفدال وبالطبع شاس من الاجنحة اليمينية، ولا نستثني هنا ايضا الليكود نفسه الذي بات يؤيد نتانياهو اكثر من تأييده لشارون وكل هذه الاحزاب لا ترضى على الاطلاق توسيع الحكومة باتجاه اليسار، ويبقى خيار ضم شينوي بالنسبة لشارون خيارا مستبعدا حتى الآن، لذلك ربما يلجأ الى ضم احزاب متطرفة مثل الاتحاد القومي الذي يحتوي على شخصيات بارزة بعنصريتها امثال افيجدور ليبرمان وبني آلون، ولكن هذا الخيار له مشاكله ايضا فهو سيجعل من معارضة حزب العمل معارضة حقيقية بل نازية ولن تكون بمصلحة شارون، خاصة ان العمل يقف بالمرصاد لكل تحركات شارون، والواقع ان هذه الحركة الشارونية ستكون اعلانا صريحا عن مرحلة انتهائه القريب. فشارون بات لا يمتلك الاكثرية في الكنيست ولا يعني على الاطلاق التصويت لخطته الاقتصادية من قبل الذين وقفوا معه هذه المرة انه سيشكل اكثرية دائمة فوضع الكنيست الآن هو وضع متوازن بشكل كبير فيما يتعلق بالائتلاف والمعارضة، وبات شارون على حافة الهاوية لأن صوتا واحدا ضده من اصل ستين صوتا سيحجب الثقة عن حكومته التي لا تملك بدورها سوى ستين صوتا مؤيدا. اذن تبدو جميع خيارات شارون في اعادة صياغة الوزارة خيارات خارجة عن الاطار الذي يفكر به واقعيا وحتى التفكير بانتخابات مبكرة غير وارد في ذهنه لانه غير مستعد لها كما يجب. وفي هذه الوقت فإن العمل وشاس غير مستعدين لها ايضا ولكن ورغم كل ذلك ورغم ترصد نتانياهو لشارون فإن الاخير من الممكن ان يغامر بانتخابات مبكرة كونه بات يرهن مستقبله السياسي بالشعبية الخادعة التي حصل عليها في الاونة الاخيرة والتي انطلقت من خلال تطرفه ومجازره اليومية بحق الشعب الفلسطيني. واما خيار كخيار الانتخابات المبكرة فإن الاحزاب اليمينية المتطرفة ستكون اكثر الواقفين في وجهه، حتى ان بعض كتل الليكود ستقف في وجهه ايضا كما وقفوا ضده في المرحلة الاخيرة حينما قدم مشروعا لحزب الليكود يدعو حتى ولو بشكل نظري لدولة فلسطينية على المقياس الشاروني بالطبع، وهذا الموقف بالذات سيكتل ضده اليمين المتطرف الذي لا يعترف على الاطلاق بدولة فلسطينية كما سيضع احزاب المستوطنات في وجه شارون مباشرة، مما يعني ان التأييد الآتي لشارون سيذهب مع الريح. اضافة الى ذلك فإن الخطة الاقتصادية التي قدمها شارون ستؤثر بشكل كبير على الحريديم والشرقيين وهي بمعظمها من الشرائح المهمشة في المجتمع الاسرائيلي، وبالطبع فإن حركة شاس من هؤلاء لذلك فإن وضع شارون في الظروف الحالية سيكون بغاية الصعوبة اذا ما اعلن عن انتخابات مبكرة او اذا فكر الكنيست بحجب الثقة عن حكومته. ومع كل هذا فإن الاجواء العامة لا توحي على الاطلاق بانتخابات مبكرة خاصة ان حزب العمل غير مهيأ لمثل هذه الانتخابات مع الغياب السلبي السياسي له عن الساحة وتردده في القرارات المعارضة لسياسة شارون او بالمعنى الاصح رضوخه شبه التام لهذه السياسة، وهذا موقف جديد نسبيا على حزب العمل الذي كان المنافس الاول لكل حكومات الليكود. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق