الولايات المتحدة ليس لديها مشروع سلام، هكذا بكل وضوح يقول وزير الخارجية الاميركي كولن باول، واذا أضفنا الى قوله هذا ما صدر مراراً وتكراراً عن حليفه الاسرائيلي ارييل شارون، بأنه ايضاً ليس لديه خطة او برنامج سياسي لطرحه كمشروع سلام فإننا لا نملك الا ان نتساءل ما هو اذن الغرض من عقد مؤتمر دولي بعد شهر تقريباً كما اقترحت الادارة الاميركية وأيدتها الحكومة الاسرائيلية؟ باول لديه اجابة، فقد قال قبل يومين ان جدول اعمال المؤتمر المقترح يتكون من بندين: اولاً: القضايا الانسانية والاقتصادية.. وثانياً: «اعادة تنظيم» السلطة الفلسطينية. بند «القضايا الانسانية والاقتصادية» ـ اي اعادة اعمار ما دمره الاجتياح العسكري الاسرائيلي في الضفة وغزة ـ يبدو وكأنه مجرد اضافة ديكورية، فالمؤتمر الدولي يعقد فقط من اجل ما اطلق عليه باول اعادة تنظيم السلطة الفلسطينية ورغم ان الوزير الاميركي لم يدل بتفاصيل في هذا السياق الا ان الشواهد المرئية تفيد بأن انعقاد المؤتمر الدولي سوف يكون بمثابة ذروة لعملية بدأ تطبيقها بالفعل لمشروع «اصلاح» السلطة الفلسطينية وهو مشروع أمني صرف يهدف الى اعادة تأهيل الاجهزة الامنية الفلسطينية من اجل تدمير المقاومة الفلسطينية المسلحة. ويبدو ان هناك خطوات تتخذ تحت السطح فقد ورد في الاخبار مثلاً ان اجتماعاً عقد في واشنطن الاسبوع الماضي بين ممثلين لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية وممثلين لجهاز الموساد الاسرائيلي للنظر في كيفية اعادة بناء اجهزة الامن التابعة للسلطة الفلسطينية. ورغم انه لم تنشر تفاصيل عما جرى في الاجتماع الا ان هناك ثمة مؤشرات بأن التطبيق الميداني بدأ او على وشك البدء. من هذه المؤشرات زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية جورج تينيت «لمناقشة القضايا الامنية مع الاطراف في المنطقة» على حد قول باول. ما الحاجة اذن لعقد مؤتمر دولي اذا كانت الامور تمضي هكذا في سلاسة؟ الهدف في المؤتمر الدولي في تقديرنا هو توريط السلطة الفلسطينية في التزام «دولي» مع أطراف تلعب دور الشهود. يستكمل المشروع الامني بكل تفاصيله بموافقة قيادة السلطة الفلسطينية.. وبعد ذلك يرفع الى مؤتمر دولي فيصبح بعد توقيع ممثل السلطة الفلسطينية عليه التزاماً دولياً. ومن ثم ينطلق الجهاز الأمني الفلسطيني الجديد على طريق ضرب فصائل المقاومة بتعاون وثيق وتنسيق مع الأجهزة الأمنية الاسرائيلية وفريق وكالة الاستخبارات الاميركية المقيم بصورة مستديمة في القدس. لذا نفهم تصريح باول بأن «من المبكر جداً التفكير في طرح خطة سلام اميركية مع جدول زمني محدد للشرق الاوسط وان فكرة كهذه سابقة لأوانها». واذا كانت الولايات المتحدة، المفترض انها «الراعي الاول لعملية السلام في الشرق الاوسط ليس لديها ما تقدمه الى مؤتمر دولي كمشروع لوضع نهاية للصراع العربي الاسرائيلي فلماذا لا تتقدم الدول العربية بمشروعها الكامل الذي اجيز في قمة بيروت مؤخراً؟ لقد ذكر باول في معرض تصريحه ان واشنطن ترغب في تحقيق هدف «اعادة تنظيم» السلطة الفلسطينية بالتعاون مع «كل الدول العربية المعتدلة». ولا نعرف اي دول عربية يعني او ما هو معنى «الاعتدال» في القاموس السياسي الاميركي.. فالوزير الأميركي لم يأت على ذكر أسماء دول بعينها. لكننا نعرف ان الدول الاعضاء كافة في جامعة الدول العربية دون استثناء سندت المشروع المقدم الى قمة بيروت بالاجماع. فلماذا اذن لا تشترط الدول العربية نظير مشاركتها في المؤتمر الدولي المقترح ان يطرح مشروعها للسلام على المؤتمر بل وان يكون البند الأوحد في جدول الأعمال. صفوة القول ان هناك لعبة أمنية مشتركة بين الولايات المتحدة واسرائيل يعتمد النجاح المنشود لها على تعاون قيادة السلطة الفلسطينية كمرحلة اولى ومباركة دول عربية معينة كمرحلة تالية. ولننتظر لنرى.