ما أن يضع الرئيس الأميركي الجديد قدمه في البيت الأبيض حتى تبدأ أجهزة الرصد في كشف كل صغيرة وكبيرة في حياته.. «الداية» التي سحبته من رأسه.. فاتورة مستشفى الولادة التي دفعتها عائلته.. أول لعبة تلقاها في طفولته.. درجاته في المدرسة الابتدائية.. مواد الامتحان التي غش فيها.. رسائله الغرامية التي أرسلها الى «بنت الجيران».. مخالفات المرور التي ارتكبها.. نصوص المكالمات التليفونية بينه وبين زوجته في شهر العسل.. وعدد الأسنان الصناعية التي زرعها له الطبيب في فمه. وفي الوقت المناسب تخرج هذه الأسلحة الثقيلة بالتقسيط أو بالتنقيط من مخابئها.. وتوزع على وسائل الاعلام في صورة فضائح.. تنتهي بكلمة «جيت».. «ووتر جيت».. «إيران جيت».. «مونيكا جيت».. وأخيرا «بوش جيت» أو «بن لادن جيت».. وهي فضيحة من العيار السياسي المدمر.. لأنها تتصل مباشرة بهجمات «11 سبتمبر».. الثقب الدامي الذي أصاب القلب الأميركي.. قنبلة القلق التي انفجرت في سكون الاستقرار والاطمئنان الأمني.. زلزال الرعب الذي لم تهدأ توابعه بعد.. وتتلخص هذه الفضيحة في كلمات قليلة.. إن الرئيس الأميركي «جورج بوش» تلقى تحذيرا بوقوع هذه الهجمات.. لكن كرات الدم الحمراء في دمه لم تستنفر لمواجهة الخطر.. ولو كانت جملة «علم ولم يبلغ» جريمة جنائية.. فإن جملة «علم ولم يتصرف» فضيحة سياسية.. فضيحة سياسية كان لابد لها أن تنفجر في الوقت المناسب.. وانتخابات الكونغرس على الأبواب. كان «جورج بوش» في قاعة «مانسفيلد» في مبنى «الكابيتول» بقبته البيضاء الشهيرة فوق أحد تلال واشنطن( يداعب بعض شيوخ الكونغرس من حزبه الجمهوري قبل أن يمنح «نانسي ريجان» عقيلة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان) ميدالية تقديرية عندما شعر أن حربا سياسية شرسة قد اندلعت في الكونغرس.. فوجئ الرئيس الأميركي بمن يسأله عن حقيقة التحذيرات التي تلقاها قبل «هجمات سبتمبر» بنحو الشهر تقريبا والتي جاءته في تقرير رسمي من مكتب المباحث الفيدرالية (إف بي آي) وكانت تشير الى قيام تنظيم «القاعدة» باختطاف طائرات مدنية.. وتفجيرها.. كانت المفاجأة شديدة على رئيس يشعر بأن شرعيته مهزوزة.. فهو لم يأت بأغلبية صناديق الانتخاب وإنما جاء بقرار من المحكمة.. وكان يحلم أن يعوض في انتخابات الكونغرس المقبلة ما فاته في انتخابات الرئاسة الأخيرة.. وربما لهذا السبب ترك اللوبي اليهودي يعبث به وبسياساته المضطربة في الشرق الأوسط ويجبره على قبول ما لم يقبله رئيس أميركي سابق.. وقد حاول «جورج بوش» أن يتماسك وهو يستوعب المفاجأة.. لكنه «كان يرتجف عندما مشى الى داخل قاعة مانسفيلد» على حد وصف «نيوزويك».. وقال: إنه «يشم شيئا من رائحة سياسة في الجو».. وتهرب من المواجهة المباشرة وراح يتحدث عن ما جرى بينه وبين «أرييل شارون» في المكتب البيضاوي.. وقال: إنه سأله عن ما إذا كان يكره «عرفات» فأجابه بنعم.. ثم أضاف «بوش»: «لقد نظرت في عينيه مباشرة وسألته: هل ستقتله؟.. فكانت الإجابة: كلا.. فاستحسن «بوش» ذلك. ولم يكن هذا الحوار بعيدا عن الفضيحة الجديدة.. فقد كان «بوش» بما قاله عن «شارون» و«عرفات» يستعطف اللوبي اليهودي ليخفف الضغط عليه.. وينجيه مما هو قادم.. فهو يعرف جيدا أن اليهود لن ينسوا أنه تسبب في سقوط «آل جور» الذي كان سيأتي بنائب رئيس يهودي لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة.. هو يعرف جيدا أنهم لا يطيقونه مهما كانت المكاسب السياسية التي يمنحها لهم. وحاول «بوش» أن يستوعب الصدمة فراح يبلع ريقه بصعوبة وراحت رموش عينيه تهتز بعصبية ووجدها فرصة أن يتحدث عن «كيم سونج» الثاني حاكم «كوريا الشمالية».. إحدى الدول التي وضعها في «محور الشر».. وقد وصفه بأنه «قزم» وبأنه «مثل طفل مدلل على مائدة العشاء» وبأنه «ديكتاتور يجوع شعبه ويسجن المثقفين في سجن يبلغ حجمه نصف مدينة أوستن الأميركية».. لكن أعضاء الكونغرس الذين كانوا يستمعون إليه اعتبروه مثل واعظ في كنيسة لا يعرف موضوع الموعظة التي دعا الناس اليها.. اعتبروه يتهرب من مواجهة الفضيحة التي تفجرت دون مقدمات في وجهه. وتبدأ الفضائح السياسية في الولايات المتحدة عادة بطريقة بسيطة عابرة.. ثم تتحول الى كرة ثلج تكبر.. وتتضخم كلما تدحرجت.. ففضيحة «ووتر جيت» بدأت بخبر غير بارز في صفحة المحليات في صحيفة «واشنطن بوست».. وفضيحة «إيران جيت» بدأت في خبر نشرته مجلة «الشراع» اللبنانية.. أما فضيحة «بن لادن جيت» فقد بدأت بجملة عابرة نطق بها السناتور «ريتشارد شيلبي» كشف فيها عن ما عرف فيما بعد بتقرير «فينكس».. وهو تقرير كتبه مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية في مدينة «فينكس» عاصمة ولاية «أريزونا»: «بيل كيرتز» في يوليو عام 2001 مستندا على تحقيقات يجريها مساعده «كينيث ويليامز» مع مجموعة من المشبوهين ينتمون لدول في الشرق الأوسط ويدرسون الطيران عرف فيها اهتمامهم باجراءات الأمن في المطارات وتوقع أن تحدث عمليات انتحارية يخطفون فيها طائرات مدنية ويساومون عليها.. ويوصف «بيل كيرتز» في الأوساط الأمنية بأنه «رجل يعني ما يقول».. فقد سبق أن تعقب «تيموثي ماكفيه» مفجر مبنى البلدية في مدينة «أوكلاهما» وتعقب أثره بمراقبة صديقه «مايك فورتيير».. لكن.. لا أحد في البيت الأبيض انتبه الى تقريره الخطير. كان «جورج بوش» في مزرعته في «كروفورد» في تكساس يوم 6 أغسطس 2001 عندما اطلع على ملخص لتقرير «فينكس»: «إن أسامة بن لادن يخطط لضربة كبيرة ضد الولايات المتحدة ولا يستبعد عمليات خطف لطائرات مدنية».. لكن.. هذا التحذير دخل من الأذن اليمنى للرئيس الأميركي وخرج من الأذن اليسرى.. وكان مصيره مثل مصير تقارير قديمة وصلت في تحذيراتها الى ما هو أبعد وأخطر مما وصل اليه تقرير «فينكس».. ففي شهر «يونيو» عام 1994 توصل تقرير لوزارة الدفاع الى أن «إرهابيين متدينين قد يخطفون طائرات تجارية ويصدمون بها البنتاجون أو البيت الأبيض».. ولم تكن العملية على هذا النحو خيالية فبعد عدة شهور.. وبالتحديد في «ديسمبر» من العام نفسه اختطف متشددون جزائريون طائرة تجارية فرنسية وقرروا أن يهاجموا بها برج «ايفل».. لكن فريق العمليات الخاصة نجح في أن يهاجم الطائرة ويقبض على الجناة قبل الاقلاع. وفي يناير من العام التالي قادت الصدفة الشرطة الفلبينية الى كشف مصنع قنابل يدوية يديره متطرفون مسلمون واعترفوا بأنهم كانوا يخططون للهجوم بطائرة مدنية على مبنى وكالة المخابرات الأميركية.. وفي «سبتمبر 1999» استنتج تقرير لمكتبة الكونغرس أن مفجرين انتحاريين يمكن أن يدمروا طائرة بالبنتاجون والبيت الأبيض ومبنى وكالة المخابرات المركزية.. ووصفت الفترة ما بين «يناير» و«سبتمبر» 2001 بأنها فترة خيمت عليها «أجواء خطرة».. وحسب «نيوزويك»: فإن سلطة الطيران المدني تلقت 15 مذكرة تحذر من إمكانية وشيكة لاختطاف طائرات داخل الولايات المتحدة.. وكان اثنان من هذه التحذيرات يشيران الى «أسامة بن لادن» بالتحديد. ويبدو أن تكاسل رد فعل البيت الأبيض البطئ (أو الميت) في استيعاب تقرير «فينكس» انتقل الى أجهزة الأمن الخفية فلم تشعر من جانبها بأهمية ما تتوصل إليه من معلومات.. ففي يوليو 2001 قبض على شخص يدعى «أحمد رسام« في «كاليفورنيا» واعترف بأنه وضع خطة لتفجير مطار «لوس أنجلوس».. وفتح كل خزائن أسراره.. وأعطى المحققين معلومات تفصيلية عن مخططات «القاعدة».. و«لم يترك مجالا للشك في أن المطارات الأميركية ستكون عرضة للهجوم».. وبرر ذلك بأن المطارات في بلد لا يتوقف فيه الناس عن السفر مثل الولايات المتحدة لابد أن تتمتع بحساسية سياسية واقتصادية خاصة.. إن أبرز ملامح الشخصية الأميركية أنها لا تميل الى الاستقرار في مكان واحد.. وأنها تغير بيتها وعملها ومدينتها مرة كل 4 سنوات.. ومن ثم فإنها لابد وأن تصاب باكتئاب حاد وعدم أمان يصعب تجاوزه لو وجدت طائرة مخطوفة أو مطارا محترقا. وهكذا.. راحت الملفات السرية تفتح وتطير أوراقها في الهواء.. ليصبح السر قافلة أسرار.. وليصبح الهمس كتيبة صراخ.. وليصبح الإحساس بالتقصير فضيحة تهدد الإدارة الأميركية التي لا تزال تقف في البيت الأبيض على ساق واحدة.. لكن.. لا جدال أن هذه الادارة سارعت مثل الإسفنج بامتصاص الصدمة وحاولت النجاة من شرور الفضيحة.. كان تعليقها على ما جرى: أنه ليس كل ما يعرفه المرء يدركه.. وأن تحذير «فينكس» كان واحدا من مئات التحذيرات التي وصلت اليهم.. لكنها كلها تحذيرات لم تصل الى تخيل ما جرى.. على حد تبرير «كوندولينزا رايس» مستشارة الأمن القومي التي لخصت دفاع إدارتها قائلة: لا أظن أن أحداً كان يمكن أن يتكهن بأن هؤلاء الأشخاص سيأخذون طائرة ويصدمونها بمركز التجارة العالمي وأنهم سوف يستخدمون الطائرة كصاروخ».. وبعبارة أخرى قال نائب الرئيس «ديك تشيني»: أنه «لم يكن هناك تحديد محدد يتضمن ما حدث». لقد اعتبرت الإدارة الأميركية كل ما وصل اليها من تحذيرات نوعا من قصص وأفلام الخيال العلمي يمكن أن تعرض على شاشة السينما ولكن لا يمكن أن تحدث في الواقع.. لقد أنهى الروائي الأميركي «توم كلاتسي» روايته «دين الشرف» بطيار غاضب محبط يملأ طائرته بالوقود ويقودها في اتجاه مبنى الكونغرس الذي يصطدم به في الوقت الذي تعقد في جلسة مشتركة لمجلسيه (الشيوخ والنواب) يحضرها الرئيس وتنجح العملية في قتل كل رموز السلطة وتصبح البلاد تحت الحكم العسكري.. لكن.. لا أحد ممن قرأوا «دين الشرف» تصور أن خيال الكاتب يمكن أن يصبح حقيقة.. وهو ما حدث أيضا لكل من قرأوا تقرير «فينكس».. ففي كل يوم تكتب مئات التقارير الأمنية التي تنذر وتحذر.. ولو أخذنا بها لما بقي مواطنا واحدا بعيدا عن المراقبة والاستجواب والاشتباه والتنصت على تليفوناته وخصوصياته وهو ما يعد انتهاكا للحقوق المدنية. وكانت أجهزة الأمن الأميركية قد توقفت منذ عام 1974 عن وضع المواطنين الأميركيين تحت المراقبة بعد أن ظهر الى العلن تقرير «تشرش» الذي كان بمثابة اعلان لسقوط دولة المخابرات في الولايات المتحدة.. وأصبح من السهل على وكالة المخابرات المركزية أن تقتفي أثر أي إنسان في أصغر بقعة مجهولة على خريطة العالم.. لكنها لا تقدر أن تفعل ذلك إذا ما كان هذا الشخص يقيم على أرض أمريكية.. لكن.. بعد «هجمات سبتمبر» انقلبت الآية.. وسقطت تحفظات الحقوق المدنية.. وزادت مؤخرا ميزانية المخابرات المركزية بنحو 35 مليار دولار.. وأصبحت أجهزة الأمن السرية مثل الجستابو النازي الذي كان يمسك ألمانيا الهتلرية بالحديد والنار. ولا جدال أن إدارة الرئيس «بوش» استغلت فضيحة «التقصير» التي وجهت اليها بأن ضاعفت من سطوة أجهزتها الأمنية على ما يجري في الداخل.. أصبح من حقها الآن أن تراقب التليفونات والحسابات وتعتقل من تشاء وتعذب من تشاء دون أن تجد اعتراضا أو عقابا من الكونغرس.. وعلى أثر هذه الفضيحة أعلن البيت الأبيض أنه أنشأ مكتبا للتحليل الاستراتيجي عليه فحص كل كبيرة وصغيرة تصل اليه في التقارير الأمنية.. وسيتبع هؤلاء المحللون مكتب الاستخبارات المركزي الذي أسس بعد 11 «سبتمبر» رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية «روبرت موللر» ووظف فيه 100 محلل استراتيجي نشرهم في 56 مدينة أمريكية يتركز فيها المهاجرون من منطقة الشرق الأوسط. ولو تجاوزنا عن عملية ذبح الحقوق المدنية التي يصفى دمها الآن على قارعة الطريق فإنه ليس من السهل تحقيق نجاح يذكر في منع العمليات الارهابية القادمة.. فالعدو في هذه الحالة يصعب قراءة أفكاره.. أو التنبؤ بخططه.. إنه شبح خفي.. ليس له ملامح واضحة.. ولا طريقة قتال معروفة.. فهو قد يضع قنبلة غاز في حافلة.. أو قد يفتح النار على حضانة أطفال.. أو قد يترك قنبلة مسامير بسيطة الصنع في إدارة حكومية.. أو قد يفجر نفسه بحزام ناسف في مدخل مطار.. ورغم أن مثل هذه العمليات لن تسقط الحكومة فإنها لابد وأن تقلل من شعبيتها. وفي دولة تفخر بأنها تهيمن على عصر «المعلوماتية» لن تكون المشكلة في نقص المعلومات وإنما ستكون في وفرتها.. إن الكمبيوتر المركزي لوكالة المخابرات يستقبل يوميا نحو 4 مليارات معلومة.. وقبل أن يفرزها ويحللها ويضع خطوطا حمراء على المهم منها يكون قد مضى شهرا على الأقل.. وخلال هذا الشهر تكون قد تراكمت نحو 120 مليار معلومة جديدة.. تحتاج الى الفرز والتحليل.. وهو ما يعني أن متابعة كل ما يصل من تحذيرات ومنع ما يترتب عليها من بلاء أمر يحتاج الى كائنات فائقة الذكاء تأتي من كواكب أخرى. إن أنهار من التهديدات راحت تتدفق على أجهزة الأمن الأميركية بعد «هجمات سبتمبر» وقد كلف متابعتها جهدا بشريا وتكلفة مالية دون طائل.. ففي الأسابيع الأخيرة وحدها حسب رصد «نيوزويك»: «وصلت تهديدات محددة عن هجوم بسيارة أو شاحنة متفجرة على بناية كلها زجاج قريبة من الكونغرس.. وعن عملية لتفجير سفينة استجمام للمشاهير ترسو بالقرب من فلوريدا.. لكن تهديدا واحدا من هذه التهديدات لم ينفذ رغم كل ما كفلته من جهد ومال. على أنه لا مفر من أن يتكرر السيناريو ولو كانت نهايته في كل مرة سخيفة.. فعندما يعزف الارهاب موسيقاه.. فلابد لكل من في السلطة أن يرقص.. ولو كانت الرقصة المطلوبة هي رقصة للموت.. أو رقصة على قنابل نووية أو هيدروجينية.. أو ارهابية. ـ كاتب سياسي ـ مصر