سيدة انجليزية ناشطة اجتماعيا، ولديها اهتمام كبير بالشأن السياسي العربي تحديداً، التقيتها لفترة من الزمن في بريطانيا، وتحدثت اليها طويلا، ودهشت لمعرفتها الدقيقة بالعالم العربي، فهي تتحدث عن لبنان وعن حزب الله ورفيق الحريري ووسط بيروت و (سوليدير) وفيروز، كما تتحدث عن بشار الأسد وسياسة والده، والقذافي، وعمان، وبقرف حقيقي تتحدث عن الرئيس الاميركي (بوش) وتنعته بأنه ضيق الأفق، وجاهل، كما تسمي شارون بالقاتل الأكبر، هذه السيدة تعمل معلمة في احدى المدارس الكبرى لتعليم اللغة الانجليزية في كامبردج، وخلال تناول فنجان قهوة معها دار حديث طويل حول القضية الفلسطينية. بداية أخبرتني بأنها من مناصري القضية الفلسطينية، وبأنها عاشت في لبنان خمس سنوات، وعايشت فترة الغزو الاسرائيلي للبنان واحتلال بيروت عام 1982، فقد كانت هناك وتعرضت البناية التي تسكنها للتدمير، وعانت من قوات الاحتلال الشيء الكثير، كما ان زوجها فقد عمله وابحاثه هناك واضطر للعودة الى بريطانيا .. لكنها تستدرك في كل مرة موجهة السؤال نفسه مراراً: ماهو الحل من وجهة نظرك للحالة الفلسطينية وللصراع الدائر بين الفلسطينيين واسرائيل؟ وبدون سابق مقدمات تقذف سؤالا آخر: ما رأيك فيما يحدث في العراق؟ وحينما قلت لها بأن الولايات المتحدة واسرائيل هما المحركتان الرئيسيتان لمجمل مشاكل المنطقة، وهما المستفيدتان اولا واخيرا من تدمير العراق وباكستان قالت وهي تبتسم: هذه هي العقلية العربية التي لاتستطيع التفكير بعيدا عن منطق المؤامرة او نظرية المؤامرة؟ قلت لها بشكل فاجأها: الا تعتقدين بصدق وحيادية انكم انتم البريطانيون ـ او الحكومة على الاقل ـ من صنع مأساة فلسطين وكتب الحرف الاول في ابجدية هذا الصراع، عندما منح (بلفور) وزير الخارجية البريطاني عام 1917 الوعد الشهير لليهود باعطائهم ارض فلسطين باعتبارها من أملاك الامبراطورية البريطانية مكافأة لهم على وقوفهم مع بريطانيا في الحرب العالمية الأولى؟ اجابت بشكل فاجأني حقا: ربما كانت الحكومة البريطانية يومها قد وقعت أسيرة التضليل اليهودي، ولم تتلق معلومات كافية عن الاوضاع في فلسطين أو لم تكن لديها الصورة الحقيقية لهذا البلد، وعندما اخبرهم اليهود بأنها أرض بلا سكان، منحوها لهم؟! هل يمكن ان يكون هذا منطقا مقبولا يا سيدتي .. سألتها وصمت ثم نظرت اليها فاذا بها تنظر ساهمة للبعيد! قالت: السؤال الآن: ماذا تفعلون حاليا ازاء هذا الوضع المتأزم بينكم ـ تقصد العالم العربي ـ وبين الغرب (اوروبا واميركا) المسألة تحتاج إلى جهد وعمل كبير لشرح المواقف ووجهات النظر، وتوضيح الصورة الحقيقية للعرب والاسلام والاوضاع الحاصلة في العالم العربي، ما اراه ان اليهود يعملون بشكل مستمر او مكثف وبلا توقف وعلى جميع المحاور، اما العالم العربي فمشغول عن العمل الحقيقي المنظم الذي يمكن ان يفوت الفرصة على النشاط اليهودي في اميركا واوروبا .. اكدت بصوت حاد: على العرب ان يتحركوا .. عليهم ان يعملوا بشكل قوي ومنظم .. انكم تفتقدون التخطيط الطويل الأمد .. والثبات من أجل تحقيق النجاح! الحوار مع اشخاص يمتلكون أفقا رحباً مستعدا للحوار والمناقشة بدون احكام سلبية تجاه كل ما هو عربي، حوار ضروري وفاعل ومهم، ومتاح حاليا في معظم دول اوروبا، ذلك ان ماحدث في جنين، والمذابح التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي، وموقف الحكومة الاسرائيلية من الاعلاميين والصحفيين الاوروبيين وناشطي السلام، اضافة الى عنجهية اميركا في التعامل مع الموقف وعدم حياديتها وانحيازها مع ما تمثله السيطرة الاميركية على العالم من تحد للهيبة واستقلالية القرار الأوروبي .. كل ذلك مع هذا الضخ الاعلامي لأحداث فلسطين، وتجاوز اميركا كل الخطوط الانسانية في افغانستان جعل من اوروبا والغرب ارضية صالحة للعمل والتحرك الاعلامي والدبلوماسي العربي، على مستوى الناشطين، والمثقفين، والسياسيين المتعاطفين. على الاعلام العربي ان يتحرك اكثر، فاسرائيل خائفة ومرتبكة من هذا النجاح العربي الاعلامي في فضح مجازرها ومخططاتها حتى باتت اليوم تدرس امكانية مقاطعة مراسلي الفضائيات العربية لما يبثونه من حقد وتحريض ضد اليهود واسرائيل، والبداية كانت مع مراسلي قناة ابوظبي :جاسم العزاوي وليلى عودة.