دورات تدريبية عديدة تحفل بها ساحتنا الاجتماعية الرحبة تحمل عناوين مختلفة حول كيفية بناء العلاقات الانسانية الناجحة ، وكيفية بناء جسور التواصل والمودة مع الآخرين وهي لا شك ذات ميزة خاصة لكونها تهدف للارتقاء بالعلاقات الانسانية والدفع بها نحو النجاح. غير ان ما يلفت الانتباه في جمهور تلك البرامج غياب مفهوم معين عن بعض المنتسبين اليها، وهو اكتشاف سر القبول والثقة التي ينالها البعض ممن لم يدخلوا في أية دورة تدريبية تتصل بهذا الموضوع، بينما يُحرم من نيل تلك الميزة بعض المتسلحين بشهادات المشاركة في البرامج التدريبية المرتبطة بفن بناء العلاقات الاجتماعية الناجحة. وإنها لحيرة تصيب جمهوراً واسعاً من الناس عن سبب تمتع البعض بقبول طاغ وبشخصية آسرة رغم انهم لا يملكون نفوذاً مالياً أو سلطة إدارية، ثم إنهم لم يعدوا محبيهم بتقديم خدمات مادية لهم على أي مستوى من المستويات!! تلك المسألة يجب أن تحظى بعناية واهتمام من قبل المتصدرين لإكساب الجمهور مهارة التواصل الاجتماعي الناجح. في اعتقادي هناك سر خاص يرتبط بالشخصيات الناجحة في ميدان الكسب الاجتماعي والتي ربما لم تقرأ كثيراً في موضوع العلاقات الاجتماعية الناجحة، غير انها تتمتع بأغلب ما ترتضيه تلك الكتب من صفات ومؤهلات تكسب الانسان حضوراً لافتاً ومحبة خاصة يسعد بها، وتسعد القلوب المتعلقة به. هذه الجاذبية الشخصية التي توفرت لمثل هذه الشخصية سببها صفاء نفسه، وقوة عاطفته، وصدق سريرته تجاه أولئك الناس الذين يتواصل معهم. إن نقاء الداخل ينعكس لدى هذا الشخص على كيانه المنظور فتأتي تصرفاته وأقواله متطابقة مع تلك الروح المقبلة التي يحتويها بين جوانحه. مثل هذا الشخص لا يتكلف الابتسامة ولا يصطنعها حين يُقابل الآخرين بل هي تأتي طوع نفسه وملك خاطره فلا يُرى إلا مبتسماً مقبلاً على من يحادثه ويجالسه. لا يعاني مثل هذا الإنسان من عُقد نفسية تجعله مرتبكاً في التعبير عن آرائه تجاه ما يُلقى على سمعه، إنما يُعبر عن آرائه التي يميل إليها بصوت مسموع وألفاظ دقيقة تحمل مقصوده إلى أذن السامع دون تورية واختباء لأنه ما من شيء يخفيه ويتوارى خلفه. ولأن هناك رسائل نفسية تتحرك في المجلس الواحد بين الأفراد فإن درجة الصدق والشعور بقيمة ما يقوله هذا الإنسان تشيع في المجلس والمكان ولكأنها قوة خفية تجذب الجميع إلى التفكير والتأمل فيما يراه المتحدث حتى ولو اختلفت معه الآراء، حيث تلعب حرارة مشاعره تجاه من حوله على إنعاش أجواء الحوار ودفعه في اتجاه النجاح طالما ان هناك روحاً مفعمة بالصدق والانتماء الى الآخرين محررة من المشاعر السلبية أو النوايا السيئة. لقد تحدث وليم جورج جوردان عن هذا المعنى في كلمات مركزة حين قال: «لقد وضع بين يدي كل فرد قوة رائعة من الخير أو الشر وهي المؤثرات الصامتة واللاواعية، وغير المرئية في حياته هي ببساطة الاشعاع الدائم لما هو عليه الإنسان حقيقة وليس ما يحاول أن يتظاهر به». أما ستيفن كوفي الكاتب المعروف، والمحاضر اللامع في موضوع النجاح الإنساني بالمعنى الشامل للكلمة فإنه يعبر عن هذا المعنى بأسلوبه الخاص قائلاً: «ما يوحي به الإنسان هو أكثر بكثير مما يقوله أو يفعله». أدوات الطلاء ومساحيق التجميل لن تفعل شيئاً مع الإيحاء العام والانطباع الذي يرسم في مخيلة الإنسان، ومن أراد أن تتحرك القلوب إليه فما عليه إلا أن يعتني بداخله وينقي نفسه من غبار الريبة ومن أشواك سوء الطوية، فإذا تخلص من تلك المشوشات فليهنأ بالقلوب والآذان التي ستستقبل رسائله بحفاوة تليق به وينالها عن جدارة واستحقاق. مريم عبدالله النعيمي m-alnaymi@maktoob.com