«ام احمد» اسم اطلقه الخليجيون على طيارة مدنية ذات مراوح وصوت رنان عملت على الخطوط الرابطة بين العواصم والمدن الخليجية، ومنذ دخولها الى الخدمة في المنطقة، حتى اليوم الذي احيلت فيه الى التقاعد، سجلت «ام احمد» الطيارة في ذاكرة عدد من اهل الخليج، لهذا لا يعد غرابة ان تسمع احدهم يقول لك: اول رحلة طيران في حياتي كانت في بطن «ام احمد» ولا يخفي هذا القائل سعادته بتلك الرحلة. اسطول طيران الخليج الذي حمل شعار الصقر رمز المنطقة والبداوة الاصيلة حمل معه ايضا اسم الخليج وطار الى اصقاع الدنيا، كان ذلك الاسطول في بدايات الثمانينيات يربط المنطقة بالعالم والعكس، ويحرك عجلة التجارة والاتصال في مرحلة من اهم المراحل التاريخية واسخنها في المنطقة، وكان ذلك الطائر الميمون ينقل السياسة والاقتصاد والثقافة وسكن الاسم الذاكرة كما سكنتها الطائرة «ام احمد». اربع دول خليجية اشتركت في دعم شعار الصقر هي الامارات والبحرين وقطر وعمان وكانت تلك الشراكة نموذجا للشراكات المطلوبة اليوم بين دول مجلس التعاون لتعزيز اقتصاد المنطقة وخلق فرص عمل لابنائه من خلال اقامة المشاريع الوطنية الكبرى التي تعزز الاستثمار الخليجي المشترك وتدفع نحو احلام المسيرة الوحدوية الخليجية. اليوم ومع انسحاب قطر من هذه الشراكة تبقى ثلاث دول قررت اخيرا ان تتحمل كامل تكاليف اعادة تأهيل طيران الخليج لابقاء الصقر في الخدمة وفي اجواء العالم يعبر بحرية وقوة محلقا حاملا ذلك التاريخ منذ انطلاقته الاولى في العام 1974. وفي اصل الشراكة من حق كل شريك الانسحاب في الوقت الذي يشاء، لكن حينما نفكر نحن اهالي الخليج ان هذا المشروع ليس فقط مجرد مشروع تجاري بين تجار اربعة، بل هو مكسب من مكاسب الوحدة الخليجية، وانجاز لا نعتقد ان التراجع عنه حل لمشاكله، بقدر ما ان عملية احيائه وتطويره هي محافظة على تاريخه. طيران الخليج اليوم من وجهة النظر الوطنية ليس مجرد شركة، وانما اكثر من خمسين عاما من شعار يطير، سجل خلالها لمنطقة الخليج دعاية كبيرة ويوفر عدداً كبيراً من الوظائف لابناء الخليج. لماذا تسكن الطائرة «ام احمد» الذاكرة اليوم؟ ليس لانها طائرة خارقة للخيال، والسفر فيها لايقارن بالسفر في طائرات اليوم الوثيرة، فـ «ام أحمد» لا توفر لك وسائد تتكئ عليها، ولا سماعة اذن لتسافر محفوفا بالاغاني الرومانسية، ولا شاشة عرض افلام في ظهر المقعد المقابل لك، ولا سوقا حرة للعطور والمجوهرات.. «ام احمد» لا توفر لك سوى ذلك ازيز المراوح الذي يبقيك يقظا على محطة الوصول. تسكن الطائرة «ام احمد» ذاكرة اهل الخليج لانها الاولى التي جربوا فيها التحليق، لهذا يسكن الصقر الذهبي ايضا الذاكرة لانه يحمل تاريخا تكون منذ خمسين عاما، وجناح حمل اسم الخليج. طيران الخليج ليس فقط مشروعا استثماريا.. انه مكتسب خليجي التفريط فيه خسارة لكل الخليجيين.