الله .. كيف تحكم الايام، كيف تسيّرنا، كيف هي حظوظنا فيها، كيف هي أقدارنا؟! صحفي نشيط نطالع اسمه واعماله كل يوم، وصحفي آخر أقرب الى الابداع والثقافة نطالع وجهه في كل نشاط يقام في اي مكان يمكن ان يوجد فيه فكر وثقافة. الأول ابن صحفي والثاني ايضا ابن صحفي أحب الادب والثقافة كثيرا. الابوان الاول والثاني عاشا وماتا وهما في بلاط صحافة الامارات، الاول والثاني لم يحلما ولم يتمنيا ان تكون النهاية هكذا، وان تكون بداية ابنائهما، ابكارهما في عالم الصحافة، فمن يلج هذا الميدان لا يتمنى الله ان يبتلي احد نسله ويكتب عليه الاقتراب من هذه الهواية الصنعة، انها جميلة لكنها قاسية متعبة حتى الموت. إلا انها الاقدار، غريب نسجها وعجيب أمرها! الصحفي الشاب النشيط محمد الفاتح قبل اربعة عشر عاما كان طالبا صغيرا في الصف الرابع الابتدائي، وكان والده محمد عابدين صحفي له اسمه ونشاطه، يتولى ادارة مكتب «الخليج» في مدينة العين، اليوم الاخير من حياته قضى صباحه يتابع اخباره، يقوم بمهمته الصحفية اليومية. كان هو ومصطفى وجاهين، ثلاثي قديم تعرفهم العين وجامعة الامارات تحديدا، عز المعرفة، فعلاقتهم متينة وعزيزة من الجانبين، وقف الثلاثي في الطابق الثاني من مبنى الامانة العامة للجامعة، قرب مكتب الرئيس الاعلى، ينتظرون الاخبار، مر في طريقهم رئيس الجامعة، سلم عليهم ولأن معرفته بهم وثيقة فهم اقرب الزملاء اليه، عرض عليهم حضور احد الاجتماعات، فدخلوا معه، عندما انفض اللقاء واستعد الرئيس الاعلى للمغادرة، خرج معه الثلاثي. يتذكر محمد جاهين ان زميله عابدين كان اكثرهم حديثا ذلك اليوم. على السلم وهم يهمون بالخروج، قال لرئيس الجامعة: يا شيخ نهيان اذا مت أوصيك بأولادي. ضحك الزملاء، ورد عليه الشيح يعطيك طولة العمر يامحمد ويخليك لهم. نزلوا وتفرقوا، وعندما انتصف النهار وارتفعت سخونة الطقس، كثرت المكالمات بين الزملاء كانوا يبحثون ويتحدثون عن عابدين. فجأة سقط مغشيا عليه، وبسرعة نقلته الاسعاف الى المستشفى وبسرعة مات عابدين. في هذا اليوم المشهود، حاسة الموت جعلته يتذكر أغلى ما عنده في هذه الحياة وجعلته ايضا يلتقي رجلا كريما، وفرضت عليه ان يتمنى ويطلب آخر امنية له في هذه الدنيا، اما ما عمله الشيخ نهيان بن مبارك عندما جاءه الخبر فلا يوصف ولا يقدر، ففعل الخير، فضل وشرف لا يمنح للكثيرين ولا يسكن سوى القلوب الطيبة الصافية، انها شيم الكبار، تكفل بأسرة المرحوم منذ اليوم الاول لوفاته، جعلها في عيش كريم واستقرار وامان، ووفر لها كل هذه السنوات سبل ان تكبر وتخط سيرها في هذا الزمن وان تكون كأفضل اسرة تعمل وتحلم وتحقق ما تريده. حتى جاء اليوم الذي نشاهد فيه الفاتح الصغير كبيراً، واختار برغبته ان يكون على خطى والده فحقق له الشيخ نهيان هذه الامنية ان يكون في نفس الصحيفة وفي نفس المكان الذي عمل فيه والده. الاخر هو محمد نوراني، لا اظن احدا هنا لا يعرفه فمن لايعرف «اخبار دبي» ومن لا يعرف «البيان» ومن منا لم يتعرف على هذا الاسم العلم، قضى حياته محبا للامارات غارقا في صحافتها وفي قضايا المجتمع وفي هموم الحياة، المفصل الاخير هذا ـ هموم الحياة ـ اتعبه كثيرا، خاصة في سنواته الاخيرة، كان يحمل همه وهم كل الاهل والاصدقاء وغير الاصدقاء الذين يلجأون له، لا تجده يتحدث عن قضاياه، انما يبحث عن حلول لهموم الناس، لا يخرج من قرض إلا ويدخل في ديّن اكبر، ومشكلته هي في اخلاقه وطباعه، يحمل قلما لا ينقطع مداده في نبش القضايا وكتابة اجمل وأسخن الزوايا والموضوعات، هذا القلم ايضا لا يغلقه في وجه كل من يقصده طلبا لتوقيعه على ضمان سلفية بنكية، يعلمون انه لا يملك شيئا وانه غارق في ديونه، ويعلمون ايضا انه لا يرد احدا، لهذا لا يخلو مكتبه كل شهر من زميل سوداني او فني مطبعة مصري او فراش هندي، كلهم يبحثون عن قلمه، فأشهر اسم بنكي في قائمة الكفلاء يكون نوراني في مقدمتهم، وعندما يعجز بعضهم عن الدفع، يحجز البنك على ما تبقى من راتب الزميل، وهكذا كان قدره عندما قرر الموت ان يأخذه، كانت ايامه الاخيرة بين المستشفى وبين «ديسك»، الجريدة، حتى تحفظ عليه المستشفى وقرر ان يحبسه على السرير الأبيض، وبدأت رحلة العلاج التي كانت اشد مرارة من الموت، بدأت ببتر اصبع في الرجل ثم ارتفعت وتوسعت وكبرت، وكانت الخاتمة ان جاءه الموت للمرة الاخيرة واراحه من هذا الشقاء. اكبر الابناء كان «ناصر» ذكياً يملك ارادة وبصيرة واعطته الحياة قليلا من البصر، كان وقتها طالبا، فماذا يعمل بأسرة كبيرة تركها المرحوم دون معيل. قيض الله لهم اللواء ضاحي خلفان، فقدم عمل الخير وواجب الانسانية ورعاهم صغارا. وكبر ناصر في شرطة دبي، وعلى صفحات مجلتها بدأ ينشر ويكتب، ووجد نفسه يمارس الصحافة ويمارس الادب والثقافة، يحرص على حضور مختلف المحاضرات والمناشط، اختار ان يسير على درب نوراني الاب، شعلة من نشاط مهموما بقضايا الثقافة والمجتمع والصحافة. هذان زميلان سودانيان ارادة الله ان يموتا هنا، وزميل ثالث سوداني ايضا كانت رحلته الاخيرة على هذه الارض، فبعد سنوات طويلة من التعب والعمل بين السودان واليمن، استقر به الحال في الامارات وفي احلك الظروف التي كانت تمر بها المنطقة انذاك، وهي مرحلة حرب الخليج الثانية دخل البلاد بتأشيرة زيارة واخذ يبحث عن عمل وطال به البحث وانتهت مدة الزيارة وزادت فترة المخالفة ـ كان الشاعر والاديب قمر الدولة محمد أحد الذين زكاهم نوراني وسعى له طويلا بحثا عن عمل ـ حتى تبسم له الحظ بعد بؤس طويل، فانحلت ازماته ووجد عملا وشعر بالطمأنينة وتحسنت احواله، وقرر الزواج بعد ان قارب الاربعين، او لعله دخلها وبعد عمر من التعب. تزوج وعاد من سودانه، فيه كثير من الفرح وكثير من الاحلام. تردد في ان يترك العمل باللجنة الثقافية في نادي الشعب الذي اخلص وتفانى له لكنه اراد ان يجرب ويغامر، ترك له النادي الباب مفتوحا فقد اصبح أحد ابنائه. لكنه سقط دون ان يدري به احد هذه المرة على فراش لا يتحرك منه ابدا، فكانت بداية رحلة النهاية. وجد قمر في حالته هذه رئيس النادي الشيخ عبدالله بن سالم القاسمي بقربه، يبحث له عن علاج في الخارج لكن التقارير كانت تقول انه لا فائدة من سفره ولا علاج له. وكان طلبه الاخير من الشيخ عبدالله ان يعود الى السودان يرى زوجته ووطنه، عاد وهناك اشتد المرض عليه، وكتب في شهرين كاملين قصيدة حب ووفاء للشيخ وللامارات، كتبها وهو عاجز لا يتحرك فيه سوى عينيه، تُكتب امامه الكلمة التي يريدها فيوافق او يعدل فيها حتى اتم القصيدة. ارسلها من هناك ومات بعدها. رحم الله اولئك الاصدقاء الزملاء، ما اصعب رحيلهم وما اجمل الذي ورثوه، وعمل الخير في ساعة الحاجة أسمى عطاء يرسخ في الارض وتحمله القلوب .. لا تنساه ابدا.