لا خلاف على أن المعاهدة التي أبرمتها الولايات المتحدة مع روسيا الاتحادية في موسكو يوم الرابع والعشرين من مايو، تعد حدثا تاريخيا في العلاقات الدولية، ومؤشرا إيجابيا يعكس نية وقف التسابق في إنتاج الأسلحة الاستراتيجية الهجومية بين أكبر دولتين عضوين في النادي الدولي النووي تمتلكان أسلحة للدمار الشامل. وإذا كانت المعاهدة تنهي فيما أرى (رسميا) حقبة ما كان يعرف بـ (الحرب الباردة) فإنها تأتي بمثابة رسالة غير مباشرة للهند وباكستان لوقف التصاعد بين الدولتين النوويتين والابتعاد عن حافة الحرب التي تبدو نذرها في الأفق! غير أن المعاهدة التي وقعها الرئيسان الأميركي جورج بوش والروسي فلاديمير بوتين تنص على تقليص عدد الرؤوس النووية دون الإشاره إلى التخلص التام منها. فنلاحظ أنها تقضي بتخفيض الرؤوس النووية في حدود الثلثين حتى العام 2012 أي خلال عشر سنوات من الآن يجب أن يصبح مخزون البلدين ما بين 1700 و2200 رأس نووية بدلا من ستة آلاف رأس. ويبدو أن هذه الأرقام تثير قلقا بين أوساط بعض المراقبين في حال حدوث أي احتقان مفاجئ أو غير متوقع في العلاقات بين الدولتين وهو أمر يقلل من شأنه المتفائلون بالمعاهدة ويحذر منه المتشائمون. على أي الاحوال دراسة العلاقات السياسية الدولية لا تخضع للإنطباعات سواء بالتفاؤل أو بالتشاؤم ولكنها تتعامل مع الواقع الإقليمي والدولي وفق تحليل معطياته ورصد تطوراته حتى يمكن إستشراف النتائج المتوقعة في المدى المنظور على الأقل. دوافع أميركا مما تقدم يمكن القول إن المعاهدة الأميركية الروسية الجديدة رغم جوانبها الإيجابية التي أشرنا إليها قد جاءت من منطلق دوافع أخرى شكلت وجها مختلفا لها يتمثل في علاقة توقيت إبرامها بإستمرار الحملة الأميركية على ما يسمى بالإرهاب. بعبارة أخرى أن ثمة دوافع أجبرت صانع القرار الأميركي على اتخاذ هذه الخطوة في العلاقات مع الشريك الروسي الذي كان بالأمس القريب عدوا لدودا شرسا يحسب له الأميركيون ألف حساب. ومن هنا نتساءل: ما الذي دفع الإدارة الأميركية إلى إبرام هذه المعاهدة في وقت تم ترويض (الدب الروسي) بحيث لم يعد يمثل خطرا يذكر على السياسة والمصالح الأميركية في ظل ما يعرف الآن بالنظام العالمي الجديد وبعد زوال نظام القطبية الثنائية الذي ساد في أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى تفكك عقد الإتحاد السوفييتي في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي؟! تتلخص الإجابة عن هذا التساءل في أن السياسة الخارجية الأميركية باتت محكومه بعقدة تاريخ (الحادي عشر من سبتمبر) ومن ثم أصبح من الطبيعي أن يجرى تفسير توجهات السلوك السياسي لصانع القرار الأميركي ـ إقليميا ودوليا ـ في إطار معايير جديدة فرضتها أحداث هذا التاريخ وعليه أن إنجاز معاهدة خفض الرؤوس النووية بين الولايات المتحدة وروسيا لم يكن ليتم إلا لكي تتفرغ واشنطن لإدارة حملتها ضد ما تسميه بالإرهاب الدولي ويبدو هذا جليا في أن إدارة بوش تعتبر المعاهدة خطوة لتعزيز ما اتفق على تسميته العلاقة الاستراتيجية الجديدة بين البلدين والتي تقوم على أساس دعم إجراءات الأمن والتعاون السياسي والاقتصادي بينهما. ويعد هذا حسب التصور الأميركي يشكل تنسيقا مشتركا بين أميركا وروسيا في الحرب ضد الإرهاب الدولي. وهنا لابد من التوقف أمام نقطتين جوهريتين لفهم السياسة الأميركية في هذا الشأن: النقطة الأولى.. إن الولايات المتحدة تستغل حربها ضد الإرهاب لكبح جماح المناوئين لسياساتها في العالم بعبارة أخرى أن واشنطن قد وضعت معارضيها جميعهم بمختلف جنسياتهم وألوانهم في سلة الإرهاب. وعليه جاءت كل ردات الفعل الأميركي متسقة مع هذا الاتجاه ولعل آخرها كان محتوى التقرير السنوي حول الإرهاب الدولي الذي يصنف العالم بين إرهابيين (معارضين للسياسة الأميركية) وغير إرهابيين (متفقين مع توجهات هذه السياسة). النقطة الأخرى.. عندما تخلط الولايات المتحدة بين الإرهاب ومسألة خلافها السياسي مع الغير فإنها تتعمد إهمال أي تحديد لمفهوم من هم الإرهابيون أو ما هي ظاهرة الإرهاب الدولي؟! من هنا يصبح من مصلحة الولايات المتحدة عدم الإتفاق بين أعضاء الجماعة الدولية على تعريف محدد للإرهاب رغم أن هناك دعوات تنادي بضرورة خروج المفهوم عن عمومياته السياسية وتحتم تناول المفهوم من خلال نصوص قانونية واضحة يتعهد المجتمع الدولي بما فيه الولايات المتحدة بالإلتزام بها وتحددها آليات الأمم المتحدة مثل منظماتها ووكالاتها المتخصصة المعنية بحيث يصبح الأمر هنا أقرب ما يكون إلى تكريس تعريف لفعل جنائي منه إلى فعل سياسي. ولكن واشنطن ترى في هذا التخصيص تمردا دوليا على هيمنتها وحصارا يحد من حركتها لملاحقة معارضيها في أي مكان في العالم حتى تجعل منهم إرهابيين حتى ولو كانوا غير ذلك. الرؤية الروسية أما الجانب الروسي فلاشك أنه يتفهم الدوافع الأميركية سواء للحرب على الإرهاب أو للإسراع في إبرام المعاهدة النووية، ويصبح ذلك في النهاية بالنسبة له (صفقة) يحصل من ورائها على عائد مجز. ويرجع التصور الروسي لاعتبارين أحدهما اقتصادي والآخر سياسي نسوقهما فيما يلي: الاعتبار الأول.. ترى روسيا في المعاهدة فرصة للضغط على الولايات المتحدة لتنفيذ وعودها الخاصة بدعم الاقتصاد الروسي المثقل بأعباء ومشكلات تعوق إنضمام روسيا الإتحادية لمنظمة التجارة العالمية. الاعتبار الآخر.. إذا كانت موسكو ترى عدم وجود مبرر لتوجيه المزيد من التمويل نحو التسليح النووي في ظل متغيرات عصر ما بعد الحرب الباردة فإن المعاهدة ستساعد مسئولي الكرملين في التركيز على مواجهة الدعوات القومية والنزاعات الإنفصالية لاسيما في جمهورية الشيشان التي تمثل صداعا مزمنا للقادة الروس. وفي اعتقادي أن هذا المنطق يتفق تماما مع ما يتحكم اليوم في السياسة الأميركية، ولكن يجب التوضيح أن مايراه الروس أحيانا إرهابا ليس بالضرورة أن ينظر إليه الأميركيون بالنظرة نفسها لأنه اختلاف ناجم عن تعارض المصالح العليا للبلدين فإذا كانت الولايات المتحدة مثلا تصر على تحجيم العلاقات الروسية الإيرانية فإن روسيا ترى في هذه العلاقات تأمينا للأمن القومي الروسي في منطقة جنوب بحر قزوين. وفي هذا السياق لابد أن نتذكر أن حركة طالبان خرجت من عباءة السياسة الأميركية في مواجهة الغزو السوفييتي لافغانستان ثم انقلبت أميركا على طالبان عندما ذاقت من كأس الإرهاب ولم تجد أمامها غير طالبان لتكون (كبش فداء) تقدمه للمواطن الأميركي المتعطش للإنتقام بعد أحداث سبتمبر ومن هنا ليس مستغربا أن يصف الرئيس بوش بعد حرب أفغانستان نتيجة خلافه السياسي دولا لا تسير في ركابه هي إيران والعراق وكوريا الشمالية بإنها محور (الشر) وهو تعبير دراماتيكي يوحي بأن التحرك الأميركي ضد هذا المحور الشرير يأتي من منطلق محور (الخير) الذي يمثله بوش وفريقه في البيت الأبيض. رغم أن الأمر ليس إلا نوعا من تصفية الحسابات السياسية المستعصية ولكن من الضروري أن تسبغ واشنطن على سياستها قدرا من الصفات الأخلاقية مثل الخير والعدالة وغيرها حتى تبدو الولايات المتحدة مرتدية ثوب المدافع عن أمن وسلام الإنسانية دائما. خلاصة القول.. إن أكبر استفادة جنتها الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أنها عثرت على المبرر لتقنين سيطرتها على العالم وإقتلاع أعدائها (دول وتنظيمات وأفراد) في إطار شبه شرعي يساعدها في حربها ضد ما تراه إرهابا ومن هنا جاء التوقيع على معاهدة تقليص الرؤوس النووية مع روسيا (المروضة المسالمة) بدافع حشد الجهود للوقوف أمام (غول) الإرهاب الذي جسده الفكر الأميركي حتى ولو كان هذا الغول شبحا أو سرابا! ـ كاتب وإعلامي مصري