بالتزامن مع منح جائزة الصحافة العربية، عقد في دبي، في التاسع والعشرين من شهر ابريل المنصرم، منتدى شارك فيه اعلاميون عرب واجانب بارزون وقد خلص المشاركون الى التعبير، عن عدم رضاهم عن الوضع الحالي للاعلام العربي ودعوا الى تخليصه من مثالبه العديدة والاتجاه به نحو التغيير الجذري ومن بين ابرز التهم التي وجهت اليه فشله في عرض قضايانا امام العالم بطريقة مقنعة ومؤثرة مما ادى الى تدهور سمعتنا، واحيانا وصمنا بالارهاب. وقبل هذا بعدة اسابيع عقدت في الرياض ندوة اقامتها رابطة العالم الاسلامي حول تأثير العولمة في الاعلام وهذان الاجتماعان يشكلان مجرد مثالين من بين امثلة عديدة، تشهد على مدى الوعي العربي بأهمية الاعلام ودوره الفعال في الهيمنة على العقول والنفوس، وخاصة الاعلام الفضائي. لقد اصبحت الفضائيات تشكل عنصرا متزايد الاهمية من عناصر الاعلام العربي المعاصر، واضحى تأثيرها في الرأي العام، اكثر فعالية من اي وقت مضى لاسباب عديدة، منها اقتران العرض الفضائي بالتجسيد الحي للصورة والحركة، ومما يدعو للتفاؤل ان المسئولين العرب، اخذوا مؤخرا يبدون اهتماما اكبر بتوجيه خطابنا الاعلامي الفضائي الى جميع انحاء العالم بدلا من ابقائه محصورا ضمن الشرانق المحلية والقطرية الضيقة. ويندرج في هذا السياق، قرب اطلاق فضائية عربية جديدة تبث موادها باللغات الاجنبية الحية. ولكن هناك كثرة من الناس ينتقدون القنوات الفضائية ويعدونها شرا مستطيرا وشيطانا مريدا وهذا يعني انها ظاهرة جدلية قابلة للاخذ والرد، شأنها في ذلك شأن ظاهرة العولمة التي يتوجس منها بعضهم شرا، ويرون فيها وسيلة للهيمنة على الدول الصغيرة، وانتهاك سيادتها والاجهاز على تقاليدها وارثها التراثي بينما يتفاءل آخرون بها، ويتصورون انها اداة جديدة لتحسين الاقتصاد وتنشيط التجارة ومساعدة الشعوب المنكوبة وتقريب دول العالم بعضها من البعض الآخر، فهل العولمة ملاك أم شيطان؟ اننا نعتقد ان الحكم عليها لايمكن ان يكتمل ويصبح قاطعا وسديدا، الا بعد ان تتبلور اتجاهاتها وتتضح مساراتها القادمة وان كانت هناك اغلبية في الدول الصغيرة ترجح كونها اداة شريرة وتبدي قلقها وتشاؤمها منها حتى ان عدة مظاهرات ضد العولمة قامت مؤخرا في بعض الدول ومنها الولايات المتحدة نفسها والتي تعد من اكبر رعاة العولمة، وقد قصدنا من هذا الاستطراد، ان نوضح بان هناك ظواهر جدلية عديدة في حياتنا المعاصرة، تحمل بين طياتها جوانب معتمة واخرى مشرقة، وهذا ينطبق ايضا على الفضائيات التي يحق لنا ان نتساءل عما اذا كانت سلتها تمتليء بالشهد والزهور، ام بالسم والاشواك. وللجواب عن هذا نقول: ان الامر يتعلق بطبيعة البرامج والمواد التي تبثها هذه القنوات وبطرق تعامل المشاهدين معها ولا نستطيع بالطبع ان ننكر فوائد الفضائيات الجمة، ولاسيما قيمتها القومية فهي تساعد على التواصل السياسي والفكري والثقافي بين العرب كما انها بفضل ما تجريه من ندوات ونقاشات تنعش العقل وتحركه وتشجعه على تبني منطق الحوار. وقد اصبح تأثيرها في الرأي العام العربي، اسرع من تأثير باقي وسائل الاعلام، بفضل قدرتها على تصوير الحدث بعد فترة وجيزة من حدوثه، واحيانا بالتزامن مع وقوعه. اضف الى ذلك، انها تشكل اداة هامة للتسلية والتخفيف من حدة الاكتئاب الذي يعتري الانسان في هذا الزمن الصعب ولكن هذه الميزة بالذات، تحمل بين طياتها خطرا جديا اذ ان سحر هذه القنوات التي تأخذ بمجامع القلوب وتأسر الالباب يجعل بعض الناس يكرسون معظم اوقاتهم للاستمتاع بمغرياتها مما يصرفهم عن القراءة وعن اداء واجباتهم والاضطلاع بمسئولياتهم وهذا ينطبق بشكل خاص على طلاب المدارس ومن سماتها الايجابية ايضا انها تنقل المشاهدين على بساط سحري ليجوبوا مختلف انحاء العالم وهذا يساعد الذين لم تسمح لهم ظروفهم بالسياحة والتجوال في بلاد الله الواسعة بالتعويض عن بعض ما فاتهم وفي الجانب السلبي المقابل فان بعض الفضائيات ولاسيما الاجنبية تعود الجيل الناشيء على العنف وتفسد اخلاقه وقيمه بعروضها الخلاعية والاباحية. وبعد التمعن فيما اوردناه من افكار نستطيع ان نخلص الى نتيجة مفادها ان القنوات الفضائية امر واقع يفرض نفسه علينا جميعا شئنا ان ابينا فلا فائدة من الاسترسال في النقاش حول ايجابياتها وسلبياتها مما لايتسع له مقال، او حتى كتاب. والامر المهم هو العمل على تطوير الفضائيات حتى تصبح اكثر فائدة ونجاعة واعظم قدرة على مواجهة عصر العولمة والصمود امام القنوات الاجنبية التي تحاول ان تلقننا افكارها وايديولوجياتها بمعزل عن مصالحنا كما ان من الضروري جدا حث الناس بالوسائل الاعلامية المناسبة، على الاعتدال في مشاهدتها وعدم اعتبار هذه المشاهدة وظيفة يومية ملزمة. ـ كاتب سوري