قبل أسابيع قليلة من انعقاد المجلس الأوروبي في دورته نصف السنوية للنصف الأول من عام 2002 التي ترأسها أسبانيا، والمقرر أن تنعقد في مدينة أشبيلية الأندلسية في الحادي والعشرين من شهر يونيو المقبل، بدأت بعض مؤسسات الاتحاد تشعر بالقلق حيال الأوضاع الدولية في ظل هيمنة أميركية سياسية وعسكرية كاملة، على الرغم من الحديث عن أوروبا متحدة وقوية فإنها غائبة أو شبه غائبة عن الساحة السياسية الدولية. ازداد الإحساس بتلك الهيمنة بعد التنازلات الروسية الأخيرة للولايات المتحدة في مجال خفض مخزون الأسلحة النووية بقبولها خفضاً يبدو نظريا، لأن الرئيس الأميركي جورج بوش أكد رفضه قبول تفكيك الرؤوس النووية، والاكتفاء بتخزينها خارج معسكرات الجيش، وكان جورج بوش واضحا جدا خلال كلمته التي ألقاها في الكرملين الخميس الماضي خلال حفل التوقيع على المعاهدة عندما قال: «من يدري ما يمكن أن يحدث بعد عشر سنوات». جورج بوش يعرف تماما أن هذا الخفض مفيد له ولحكومته إعلاميا في هذا الوقت العصيب الذي يعيشه داخليا بعد تسرب التقارير التي تشكك في طاقم الرئاسة على مواجهة مواقف عصيبة كما حدث في أحداث 11 سبتمبر الماضي، ومن الناحية العملية فإن الخفض ليس ذا أهمية لأن ما يملكه الاتحاد الروسي من مخزون نووي من الناحية الفعلية يقع خارج دائرة التأثير، لأن رؤوس روسيا النووية أصبحت لا قيمة لها أمام المخزون الأميركي الحديث. الوزن الخفيف! من هنا يؤكد المراقبون أن التقرير الذي أعده رئيس المجلس الأوروبي «روماني برودي» لتقديمه إلى زعماء دول الاتحاد الاوروبي في قمة أشبيلية يحتوي على العديد من الفقرات التي يبدي فيها قلقه تجاه الوزن الحقيقي للاتحاد الأوروبي في مجال السياسة الدولية، ويعلن صراحة أن هذا يعود إلى عدم وجود سياسة خارجية فعالة ومتفق عليها بين الدول الأعضاء، وهو وزن لا يكاد يمثل شيئا في مواجهة الهيمنة الأميركية، حتى أن مواطني دول الاتحاد الأوروبي بدأوا يشعرون بالقلق من سير حكوماتهم معصوبة العينين خلف السياسة الأميركية، مما يعرض أمنهم للخطر بسبب الممارسات السياسية والعسكرية الخارجية للولايات المتحدة قبل 11 سبتمبر، وما يمكن أن ينتج عن «غطرسة القوة» بعد حرب أفغانستان وغيرها من المغامرات العسكرية المستقبلية، لأن معظم التحليلات التي تنشرها وسائل الإعلام الأوروبية تؤكد أن ما هو قادم من أخطار نتيجة لاستمرار هذه السياسة سيكون خطره أكبر على أوروبا نظرا لعدم قدرتها على رد أي عمل «إرهابي» على غرار ما حدث في نيويورك وواشنطن. بل أن تصريحات مسئولي البيت الأبيض، وعلى رأسهم نائب الرئيس ديك تشيني خلال الأيام الأخيرة أدت إلى رد فعل عكسي لدى مواطني دول الاتحاد الأوروبي، مما يعكس جهل مخططي السياسة الأميركية لسيكولوجية المواطن الأوروبي، الذي بدأ يشعر أن أمنه مهدد بعمليات أبشع مما حدثت خلال 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطون، يكون مسرحها أوروبا، وربما من هنا يمكن فهم الرفض الشعبي العارم الذي اجتاح برلين خلال زيارة جورج بوش إلى ألمانيا الأسبوع الماضي، والشعارات التي رفعها المتظاهرون التي تشكك في الهدف الحقيقي من وراء شعارات «الحرب ضد الإرهاب» أو ما يسميه بوش اسم «محور الشر». إن نظرة سريعة على ما حققه الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية يمكن أن تكشف عن الهوة الكبيرة بين ما تم تحقيقه في مجالات الاقتصاد كالتعامل باليورو كعملة موحدة بين جميع دول الاتحاد عدا بريطانيا، أو التنسيق في مجالات الأمن والبوليس والقضاء، وبين ما تم تحقيقه على مستوى السياسة الخارجية المشتركة لدول الاتحاد. في مجال السياسة الدولية تبدو أوروبا في رأي وزير الثقافة الإسباني السابق «جوردي سولي تورا» مثل: «كرة بندولية معلقة في خيوط عدة، وتتحرك يمينا ويسارا تحت تأثير مدى قوة كل خيط، وهي في النهاية إما خيوط تجذبها بعض الدول القوية مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا التي استعادت قوتها داخل القارة الأوروبية على حساب الدول الأخرى الأصغر والأقل تأثيرا، وهذا انعكس بالتالي على السلطات التي يتمتع بها المجلس الأوروبي ورئيسه «الإيطالي الجنسية» روماني بردوي وممثله لشئون الأمن والسياسة الخارجية الأسباني خافيير سولانا، أو خيوط خارجية تمسك بها قوى تستغل غياب سياسة أوروبية موحدة. بل وصل تنامي قوة بعض الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي مثل بريطانيا التي أعلنت عدم انضمامها للعملة الموحدة التي اعتبرها الكثير من المحللين خطوة في الاتجاه العكسي نحو خلق قوة إقليمية مؤثرة دوليا. برزت شخصية رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بعد أحداث 11 سبتمبر عندما قرر منفردا أن تكون سياسة بلاده مؤيدة بلا تحفظ لسياسات الولايات المتحدة التي هزها الحدث، وبدأت تمارس سياسات منفردة، وتتعامل مع العالم كله وكأنه مستعمرة خاصة بها، بل أنها عاملت دول الاتحاد الأوروبي باعتبارهم تابعين لتلك السياسة لا شركاء في حلف الأطلنطي. تنازع الادوار انفصال بريطانيا عن سياسات الاتحاد الأوروبي فرض على باقي أعضائه قبول مطالب واشنطن بإعلان الحرب على الدول «الداعمة للإرهاب» بلا تحفظ، وإعلان تبنيها ولو نظريا سياسة مكافحة الإرهاب التي أعلنها جورج بوش وصقور البيت الأبيض. ثم كان لقيام توني بلير بجولته في منطقة الشرق الأوسط للدعوة إلى تأييد «حرب أميركا ضد الإرهاب» وقعا سلبيا، لأن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وجدت نفسها معزولة عن حركة السياسة الدولية، وتحت ضغط الوضع الذي خلقته حركة بلير المنفردة وجدت كل دولة نفسها تتحرك دوليا تحت ظل السياسة الأميركية مما افقدها استقلاليتها. بل وصل الأمر إلى حد قبول طروحات رئيس الوزراء البريطاني لقبول روسيا عضوا في حلف الأطلنطي مما خلق اضطرابا حقيقيا أثر على علاقة الحكومات الأوروبية بشعوبها، وطرح تساؤلات في الشارع الأوروبي عن جدوى وجود حلف الأطلنطي كمنظمة عسكرية دفاعية إذا كان العدو الأول والأكبر الذي تربت على وجوده أجيال متعددة أصبح صديقا. هذا الدور البارز لبريطانيا دفع ألمانيا أيضا إلى البحث عن دور مماثل، وحصلت عليه من خلال عقد «قمة بون» بين الفصائل الأفغانية بعد سقوط كابول، والذي حضره رئيس المجلس الأوروبي كمتفرج، بل أن دور المستشار الألماني شرويدر غطى على دور الأمين العام للأمم المتحدة في الساحة الدولية في فترة ما بعد سقوط كابول، لأن الحرب الأفغانية لا تزال قائمة ولا يبدو أنها ستنتهي قريبا. نتيجة السياسات المنفردة لكل من بريطانيا وألمانيا انطوت فرنسا على نفسها نتيجة القيود التي فرضتها الانتخابات الرئاسية على شيراك وجوسبان، ودفعت الزعماء الأوروبيين الآخرين إلى البحث عن أدوار مماثلة، حتى لو كانت تنقصهم المؤهلات للعب هذا الدور، من هنا سمعنا تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني ضد الإسلام والمسلمين، وهي تصريحات وإن عكست حقيقة تفكيره الشخصي إلا إنها كانت في الحقيقة عملا من أعمال «تقديم أوراق الاعتماد لدى واشنطن»، فقد كانت تصريحاته تريد أن تقول «أنا هنا أيضا، صديقكم أو خادمكم». الأمر نفسه حدث مع رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار الذي حاول انتهاز الفرصة بإعلانه تأييده غير المشروط لكل مشروعات البيت الأبيض العسكرية مهما كان هدفها، وحاول تغليف موقفه بشعار «مكافحة الإرهاب» الذي تواجهه حكومته من منظمة «ايتا» الباسكية الانفصالية. ثم جاءت المجازر التي ارتكبها شارون وجيشه ضد الفلسطينيين تحت غطاء سياسي وإعلامي أميركي لتضع الجميع في موقف حرج، خاصة أن لمعظم الدول الأوروبية مصالح في الشرق الأوسط، وبشكل خاص مع الدول العربية البترولية، لذلك عندما حاول المجلس الأوروبي لعب دور مختلف عن الدور الأميركي في هذه القضية واجه العديد من الإهانات من جانب شارون الذي رفض منح تأشيرة دخول لوفد الاتحاد الأوروبي بعد مجزرة جنين، ورفض عدة مرات مجرد الحديث مع خافيير سولانا ممثل الاتحاد الأوروبي لشئون الأمن والسياسة الخارجية. نتيجة كل هذه المواقف لم يعد لأوروبا من دور في الساحة الدولية سوى لعب دور «رجل المطافئ» للحرائق الناتجة عن الأخطاء التي ترتكبها الولايات المتحدة في المناطق الحيوية، أو لعب دور «الشرطي» في ساحات الحروب الأميركية، كما حدث في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان، أو تقديم «المعونات الإنسانية» للمدنيين من ضحايا حروب أميركا «ضد الإرهاب». ورقة رئيس المجلس الأوروبي روماني برودي التي سيتم عرضها خلال قمة أشبيلية يمكن أن تكون البداية نحو تصحيح هذه الأخطاء التي ذكرناها، وتجاوز نقاط الخلاف والتوصل إلى حد أدنى من الاتفاق حول «سياسة خارجية أوروبية» تضمن للاتحاد دورا فاعلا في السياسة الدولية، لكن يبدو أن هذه الورقة ستكون مجرد ورقة ضمن أوراق عديدة سيجدها رؤساء دول الاتحاد الأوروبي على موائدهم، وربما لن تكون من الأوراق المهمة التي يمكن مناقشة مضمونها، لأن كل الدلائل تشير إلى أن هناك من يعارض ورقة برودي، ويرى أنها ترمي إلى تحقيق هدف شخصي لمقدمها، بل هناك من يحتفظ بورقة أخرى متعارضة معها، ترفض تماما أي دور فاعل لرئيس المجلس الأوروبي، وتطالب بمزيد من الصلاحيات لرؤساء الدورات التي يتناوب عليها رؤساء الدول الأعضاء كل ستة أشهر. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا