عندما ذهب (نزار قباني) إلى لندن، اعتقد بأن (حضارة) لندن سوف تمسح عنه (همجية) الصحراء، وان خضرة لندن سوف تروي شرايينه العربية القاحلة، وان برد لندن وثلجها سوف يغسل عنه غبار الصحاري وتلال الرمال، ووعورة تلك الطرقات التي تعثر بها في قراه العربية، اعتقد بأنه صار العربي الذي تصالح اخيرا مع الحضارة!! نزار وان تصالح مع المنفى، فانه ظل يبحث عن حارته الدمشقية، وعن شرفات الياسمين، وعن «فاطمة» ذلك الاسم / الرمز، الذي كلما قرأناه نحسب بأننا ننادي أمنا او اختنا او جدتنا او جارتنا او احدى صديقات المدرسة القدامى. وبالتأكيد فإن البحث عن الأم باعتباره المعنى المجسد والمرادف للدفء والامان والطمأنينة والالتصاق بالجذور والهوية لم يكن هاجس نزار/ الشاعر البعيد عن وطنه فقط، وانما كان هاجس كل المنفيين على امتداد تاريخ البشر والمنافي!! في قصيدته يعبر نزار عن حاله، وحال كل الذين التهم الشتات والمنفى جزءا من أرواحهم وقلوبهم، حتى جعلهم يلوذون بالطفولة اختيارا مستخدما (نزار) في قصيدته كل ما يوحي بألفاظ ومعاني الرجاء والتمني، يقول نزار مخاطبا (فاطمة): خبئيني تحت قفطانك يا أحلى الفاطمات لندن باردة جداً وإني خائف جدا فنامي في جفوني أو في جفون الكلمات حاولي ان تصبحي امي ليوم او لشهر او لبعض اللحظات سقطت قبعتي الحمراء في الارض وضاعت كتبي مني وضاعت امنياتي حاولي ان تلديني مرة اخرى ايا أجمل كل الامهات ما الذي يمكن ان أفعله من غير أم؟ في محطات الشتات؟؟ نعم ماذا يمكن ان يفعل التائه في محطات الشتات من غير أم؟ من غير انتماء؟ من غير رابط بالوطن؟ من غير صوت أو وجه يشده إلى تلك الارض البعيدة التي مهما بعدت إلا انها تضج في الشريان بألف معنى ومعنى؟ ومهما كانت بلدان الشتات جميلة، فإن لعنة الاغتراب لاتدع مجالا للجمال ان يدوم وان يلازم حتى الابد، ولذلك اعتقد ان كل التائهين في المنافي يفتحون نوافذ الصباح كل يوم ليقولوا: «صباح الخير ايها الوطن البعيد .. اهديك كل أسئلتي الحائرة .. وأولها سؤال حول سبب وجودي هنا، وانتِ ايتها الغربة اهديك كل اللعنات»!! ـ ـ ـ نتزاحم كثيرا في طرقات الحياة، نزاحم الدنيا على نفسها لاقتناص كل التوافه التي سرعان ما تتطاير من ايدينا لاجل توافه أخرى، أو تستحق التوافه أن نهدر ارواحنا لأجلها؟ أو يستحق شيء في الدنيا ان ننسى قلوبا تحترق شوقا في انتظار اصواتنا وومض أعيننا؟ امهاتنا، اصدقاؤنا القدامى، جارتنا العجوز الطيبة، جدتي المتهالكة لفرط ما تحمل على كتفيها من سنوات وأسى وتاريخ مضنٍ، وأحسبه توجع العمر هجرانا حين نهجرهم أو نقسو عليهم، انهم لايريدون منا شيئا سوى ان نمطر عليهم اصواتنا حنانا وسلاما عبر اثير الهاتف، وان نهل عليهم كموسم فرح في زيارة حنونة تدفيء أيامهم التي ملت انتظارنا!! يا الهي ما أقسانا ونحن ندعي بأننا اناس لنا قلوب تعرف الحب؟