تدخل الى مؤسسة ما لتقضي لك مصلحة لا تتحمل التأجيل فيستقبلك الموظف المقصود ببرود شديد، وبمزاج سيئ، ويشيح بوجهه عنك دون ان يكلف نفسه عناء الرد على تحيتك لا بمثلها ولا بأحسن منها!! تبقى مكانك واقفا شاخصا بصرك اليه منتظراً ان يلقي عليك نظرة خاطفة، ان يأبه بك، ولكن ما من مجيب!! يخفض ذلك الموظف رأسه، يقلب اوراقا اخرى بين يديه، يمسك قلمه الجاف ـ وهو لابد ان يكون جافا كصاحبه ـ يقطب جبينه موهما إياك بأنك تتطفل على وقته الثمين!! تقف بدورك حائراً متردداً، وانت تتأمل هذه الرسائل الجسدية العنيفة اللهجة وتتساءل بينك وبين نفسك هل بدر منك ما يسوء؟!! وتأتيك الاجابة على البديهة: طبعا لا.. ومتى رأيته قبل ذلك حتى تسيء اليه فتبادر على الفور بطرح سؤال آخر على نفسك طبعاً ـ فتقول: ماذا يقصد اذن بهذه الهامة المتجهمة، وهذا الوجه العابس الغضوب الذي يستقبلني به؟!! ولانك رجل حاذق فسوف تجيب على نفسك بأنه لا يأبه بك لكونه لا يريد ان يتكلف عناء انجاز المهمة التي تطلبها منه. لا يشك عاقل ان هذه الفئة من الموظفين هم قوم ازدواجيون يعانون من ضعف الدافعية، ومصابون بداء البلادة والجمود. انهم لا يرون الا النصف الفارغ من الكوب وهم يعجزون عن رؤية نصفه الملآن. هذا النصف الفارغ يمثله في ذهنهم الدرجة الوظيفية التي يشغلونها والتي لا ترضي طموحهم!! انهم وباختصار هواة القفز فوق المسئوليات، وهم محترفون ماهرون في جعلك ـ ايها المراجع ـ تقدر ـ عن طيب خاطر ألا تعود اليهم بعد ان ذقت بنفسك مرارة الوقوف بين يدي قوم تبلدت مشاعرهم وضعف احساسهم بالحياة والاحياء. الى هؤلاء أقول ما أبعدكم عن معرفة قانون النجاح الحقيقي، ويشاطرني في الرأي اللورد بادن باول مؤلف كتاب «طريق النجاح» اذ يقول: «اذا كنت ترغب في أن يكون لك مركز جيد، فان عليك ان تحسن الاضطلاع بتبعاتك والقدرة على تحمل التبعات تعني ثقة بالنفس، ودراية بالعمل، ومرانا على التمرس بالواجبات». هذا الشرط الذي وضعه مؤلف كتاب «طريق النجاح» هو شرط وضعته الحياة نفسها، وجعلته قانونا عاما لكل من يطمح الى النجاح والارتقاء، حيث لا نجاح دون جهد ومثابرة وكفاح كضريبة واجبة ومستحقة الدفع. ان الخطأ الذي يصدر عن مثل هؤلاء الموظفين لا يقتصر عليهم وحدهم، بل يتجاوزهم الى المسئول الذي يرى ويسمع وتأتيه اخبار مثل هؤلاء الموظفين ثم لا يحرك ساكنا من اجل اصلاح هذه الصورة الناقصة للمؤسسة التي ينتمي اليها!! لقد غاب عن علم هذا المسئول ان أول مهمة ملقاة على عاتقه هي ان يكون مديرا محفزا للموظفين باعثا لهممهم حسب احدث نظريات علم الادارة المعاصرة، ويحضرني هنا مثال رائع للمدير الفعال يجسده مواطن شاب يعمل في مؤسسة حكومية بامارة دبي، ويتولى منصب المدير المالي ونائب المدير العام للمؤسسة التي يعمل بها، حيث استطاع هذا المدير أن يكسر الروتين المعتاد لعمله اليومي، ولم يكتف بأداء دور تقليدي يمكن لغيره ان يفعلوه، بل استلم المبادرة، وحرك الموظفين في مؤسسة يتجاوز عدد موظفيها الآلاف الثلاثة، وبجدارة فائقة استطاع ان يوجه طاقة الموظفين والموظفات نحو اكتساب المزيد من الثقافة والمعرفة. وبدأ بنفسه ثم وسّع الدائرة شيئا فشيئا، وبحنكة الاداري الخبير استطاع ان يكون مجموعات صغيرة ترتبط ببرنامج للتطوير الذاتي بعيداً عن انتظار البرامج التقليدية التي يدعى اليها امثال هؤلاء الموظفين!! لقد استطاع هذا المدير المواطن ان يقدم مثلا رائعا للمدير المحفز لزملائه الموظفين، ولا عجب بعد ذلك ان حصدت مؤسسته الجوائز المختلفة والكبيرة، فقد كان على موعد معها، ولم تشأ ان تخلف معه الميعاد. مريم عبدالله النعيمي