لا أحد يمكن أن يزايد على (انتوني لويس) فالرجل مثقف أميركي بارز وصحفي أميركي كبير يظل قراؤه يتابعون كتاباته التي دأب على نشرها عبر نحو من أربعة عقود في كبريات الصحف الأميركية وبخاصة في (نيويورك تايمز) إلى أن أعلن الأستاذ لويس عن تقاعده في خريف العام الماضي كيما يتفرغ للتأمل وربما تدوين مذكراته عن حياة صحفية ثرية حافلة في بيئة ـ مدينة بوسطون ـ العاصمة الثقافية للولايات المتحدة. ولا أحد يزايد على انتوني لويس لأنه يهودي الديانة، مستقر المكانة في مضمار مهنته، ومن ثم فإن حديثه عن اسرائيل، أو انتقاده لها، لا يصدر عن معاداة للسامية كما قد تروج دعايات الصهيونية ولا عن انتماء إلى منظومة الدول (المارقة) أو إلى محور الشر إذا اجزنا ـ جدلا ـ استخدام المصطلحات المارقة بدورها والمطاطة في حد ذاتها رغم استخدامها من جانب الإدارة الأميركية الحالية ذريعة لتهديد دول ونظم حكم باستعمال القوة لضربها وادراجها ضمن قائمة المغضوب عليهم من أميركا ـ حيث يتم استخدام هذه المصطلحات الغريبة بمناسبة أحيانا وبغير مبرر ولا مناسبة في معظم الأحيان. منهج موضوعي نبادر فنقول ان انتوني لويس كاتب صحفي ومحلل ـ معلق سياسي محترم في كل الأحوال لأنه اعتاد على منهج أقرب الى الموضوعية ومن ثم الى توخي الحقيقة واعتزال موازين المنطق في المقالات التي دأب على نشرها وكم لاحظنا انه عمد ـ في السنوات القلائل الأخيرة التي سبقت تقاعده ـ إلى تبني قضايا فردية أو حتى فئوية كانت تنطوي على مظالم شتى لحقت بأفراد من العرب كان منهم من يحمل الجنسية الأميركية أو من كان بسبيل طلبها أو الحصول عليها.. وكان ذلك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي اتاحت لأجهزة أميركية شتى أن تتبع خطى أقرب إلى العشوائية في تصنيف الناس فلا تميز اعداءها من اصدقائها بل تأخذ الابرياء بجريرة الجناة أو من تتصورهم جناة مذنبين.. تأخذ العاطل مع الباطل كما يقول مثل شعبي دارج. من هنا فقد استرعى اهتمامنا المقال الذي نشره الأستاذ انتوني لويس ـ الكاتب الأميركي، اليهودي حتى لا ننسى، من موقع التقاعد أو الاعتزال.. واختار لنشره مجلة نيويورك ريفيو أوفبوكس المتخصصة في شئون الكتب (عدد 25 إبريل 2002) وتعد ـ كما لعلك تعرف ـ من أبرز منابر الرأي في الولايات المتحدة. هو.. والحل زاد اهتمامنا بما نشره كاتبنا وقد وضعته المجلة الأميركية في صدر صفحات عددها المذكور لأن المقال يحمل عنوانا جاء على شكل سؤال مطروح يقول: ـ هل ثمة حل؟ السؤال الباحث عن حل.. يتناول قضية الشرق الأوسط وبالتحديد محور الصراع المحتدم حاليا بين آلة الحرب الاسرائيلية التي يديرها سفاح اسمه شارون وبين حركة التحرير الوطني الفلسطينية التي تضم فصائل مختلفة من أجنحة اليمين واليسار في أرض الوطن الفلسطيني المحتل في الضفة وفي القطاع. ومرة اخرى فنحن نتعامل مع مثل هذه الكتابات لا بوصفها بداهة طروحات صادرة عن عداء لاسرائيل ولا حتى عن منطق انصار السلام الأوروبيين مثلا وقد رأينا بعضهم وقد تمترسوا مع (أبوعمار) في محبسه المعروف في رام الله. نحن نتعامل مع آراء انتوني لويس وقد نهتم بها وربما نحتفل بالكثير من مضمونها لأنها تصدر عن رؤية واقعية وموضوعية من جانب معسكر (الآخر) حيث ينآى هذا الآخر بنفسه وبمنطقه وآرائه عن المنطلقات السائدة حاليا في أميركا وكثير منها متشنج لدرجة الهستيريا دع عنك المنطلقات السائدة في اسرائيل ومنطقها يستند إلى فوهة المدفع وجبروت الدبابة وجنون تدمير البيوت وقتل الأبرياء واقتلاع الأشجار وارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية. البداية عام 1967 انتوني لويس يبدأ تأملاته من عام 1967. وفيما كان القوم في اسرائيل وبين انصارها في أميركا سكرى بخمر النصر السريع الذي حققته على العرب في مثل هذه الأيام منذ 35 عاما.. فقد انطوى الأمر وقتها على نفر من العقلاء الذين حذروا من أن هذا النصر الصهيوني وماتبعه من الاستيلاء على القدس والضفة والقطاع ـ من شأنه ان يلحق خطرا على.. اسرائيل ذاتها أو بعبارات كاتبنا الأميركي انتوني لويس: (كان ذلك معناه اغراء اسرائيل لكي تقيم مستوطنات في تلك المناطق (التي استولت عليها واحتلتها) وكان هذا يعني الاستعمار بكل ماينطوي عليه من صلف وجبروت ولا انسانية وكان معناه بالتالي تدمير شخصية اسرائيل ذاتها). والمعنى الذي تقصد إليه العبارات السابقة كان الخشية على (صورة) اسرائيل التي حاول مؤسسوها ومن ثم مؤيدوها ان يرسخوها في ذهنية العالم: اسرائيل ملاذ اليهود المضطهدين وملجأ المعذبين ومرفأ الأجيال من الاقليات الموسوية التي ظلت تائهة مئات السنين تعاني من مغبة اللاسامية (بغض اليهود) ثم من تطبيق النازية الألمانية لشعار (الحل الأخير) الذي طرحه هتلر (وصورته البرو باغاندا اليهودية على انه محارق الهولوكوست). ـ هذه الصورة لإسرائيل المهيضة المكدودة المسكينة المتعيشة على المعونات والهبات والتبرعات ناهيك عن واحة الديموقراطية في محيط الاستبداد الملكي والجمهوري في منطقة الشرق الأوسط.. الخ هذه الصورة الخلابة لوجدان الشباب والجاذبة لاموال المتبرعين كانت الخشية ـ يقول انتوني لويس ـ من أن تتغير لتحل محلها صورة اسرائيل قوة الاستعمار ومنطلق الاستيطان وهي خشية حادبة كما قد نصفها على اسرائيل وصورتها ومستقبل أيامها قبل أن تكون مراعية لاعراف انسانية أو قانون دولي أو حقوق أصيلة ثابتة غير قابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني في الضفة وفي القطاع. المهم أن انتوني لويس يؤكد في الدراسة التي نحيل إليها ان هذا التدمير لصورة اسرائيل قد حدث فعلا ويضيف قائلا: إن عملية الاستيطان (الصهيوني) قد تواصلت لأكثر من عقود ثلاثة ظلت تستند الى اتباع أساليب استعمارية (كولونيالية حسب المصطلح الذي عمد إلى استخدامه) وتمثلت هذه الأساليب ـ كما يقول الكاتب الأميركي حرفيا ـ في قمع السكان المحليين (الفلسطينيين) ومصادرة أراضيهم ومنح المستوطنين (اليهود الصهاينة) مركزا قانونيا أعلى وأرفع وتجسدت نتائج هذا ـ كما تنبأ أصدقاء يهود ـ في ظاهرة تحمل عنوانا واحدا وهو: الإفساد وقد أفضى هذا الافساد أو الفساد ـ عند انتوني لويس ـ الى محاولات مبذولة حاليا لتوسيع نطاق السيطرة الاسرائيلية في الأرض المحتلة. مخطط شارون ولعل الكاتب المذكور يشير في هذا المضمار الى المخطط الذي سبق إليه شارون ونشرته مراجع اسرائيلية ويقضي بإعادة احتلال الضفة الغربية وقد تم هذا النشر قبل اندلاع الانتفاضة الثانية ولم تخف معه أركان ادارة شارون الصهيونية عزمها التراجع عن كل ماسبق الاتفاق بشأنه حتى بصدد أنصاف الحلول ومخططات التسوية وفيها بالطبع تنازلات عربية ـ فلسطينية ابتداء من مدريد إلى أوسلو ومابينهما ـ كل هذه المحاولات ـ المخططات يراها لويس ومن على شاكلته من (أصدقاء) اسرائيل العقلاء كما قد نسميهم تشكل خطرا جسيما على كيانها وهو خطر يتجسد في عبارة أساسية تقول: ـ انه يهدد رصيد شرعيتها الدولية التي لم تحصل عليه الا بجهد شاق وجهيد. يستطرد انتوني لويس قائلا: ـ ان اسرائيل، منذ قيامها في عام 1948، تعين عليها ان (تكافح) من أجل ان تحوز القبول (في المنطقة)، فقط ظلت الدول العربية ترفض الدولة (العبرية) بل ولا حتى تتلفظ باسمها ومن ثم فقد جاءت زيارة أنور السادات لإسرائيل في عام 1977 لتعني الكثير الكثير بالنسبة للإسرائيليين لأنها كانت تمثل هذا القبول. ثم يضيف الكاتب الأميركي: ـ وفي أوسلو افترض المفاوضون الفلسطينيون ان اسرائيل سوف تتخلى عن المستوطنات (المستعمرات) بصورة تدريجية وتنسحب مما يكاد يكون حدود ماقبل عام 1967. ولكن أوسلو تركت تلك الخطوات لمفاوضات تجري مستقبلا وهو أمر لم يحدث على الاطلاق. (والذي حدث) هو استمرار المستوطنات دون أي قيد ولا توقف بعد أوسلو. في هذا السياق يتطرق انتوني لويس الى الوضع الراهن لحركة الاستيطان الصهيوني في الأرض الفلسطينية المحتلة. وهو يجول في هذا الخصوص بالتحديد الى أحدث البيانات المستقاه من حركة (السلام الآن) الإسرائيلية التي افادت في شهر مارس الماضي عن نتائج مسح جوي في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة وقد أفادت بيانات هذا الاستقصاء العلمي باقامة 34 مستوطنة (مستعمرة) صهيونية جديدة في عام 2001 وحدة هذا فضلا عن بيانات متوفرة فعلا وتفيد بان هناك 200 ألف مستوطن صهيوني يعيشون حاليا على اراضي الضفة الغربية.. (ونكرر وصفها بانها الفلسطينية.. المحتلة بصورة غير شرعية). بل أن هذه البيانات تزيد في وصف المستوطنات ـ المستعمرات بأنها ليست مجرد مواقع استيطانية بمعنى مبدئية أو تخطيطية.. انها كما تقول هذه البيانات المحدثة عبارة عن مدن صغيرة تخدمها وترفدها طرق التفافية رئيسية قصدوا بها عمدا الى محاصرة المواقع الفلسطينية المأهولة بسكانها الفلسطينيين ـ أصحاب الأرض الشرعيين ـ وهذا الوضع أفضى بتقسيم الضفة الغربية ـ بحكم الأمر الواقع ـ الى مايشبه الكانتونات أو الكيانات المعزولة المنقسمة حيث تسهر على هذا الواقع المجزأ المعزول قوات الاحتلال الصهيوني ومواقع نقاط التفتيش التي لا يتورع افرادها عن اطلاق النار دون أي خوف من مساءلة أو عقاب على أي (كائن) فلسطيني يقترب منها رجلا كان أو سيدة.. مدنيا أعزل كان أو غير ذلك.. طفلا كان أو كهلا.. كيف لا.. وقد روعتهم وارعدت فرائصهم الجبانة أصلا غارات الاستشهاد الجسورة النبيلة التي مابرح يشنها أبطال وبطلات من الشعب الفلسطيني المناضل المجاهد. كامب ديفيد الثانية وكم أرجف المرجفون، ومنهم أوساط ودوائر عربية للأسف ـ بان إيهود باراك رئيس وزراء اسرائيل السابق (من حزب العمل) قد عرض في كامب ديفيد الثانية الانسحاب من مساحة قالوا أنها تبلغ أو تكاد تتراوح من 86 و 91 في المئة من اراضي الضفة الغربية.. وانحو بالملام في هذا الصدد على الرئيس الفلسطيني عرفات لأنه ـ كما قالوا ـ رفض هذا العرض الذي رأوه سخيا من جانب باراك الصهيوني لكن الأمر ـ كما يشير الكاتب انتوني لويس، وكما سبق وأوضح بتفصيل أكثر الكاتبان حسين الاغا وروبرت موللي (والأخير كان عضوا رسميا في مجلس الأمن القومي الأميركي في إدارة كلينتون السابقة) الأمر تصدق عليه قولة الامام على بن أبي طالب رضي الله عنه الشهيرة والحكيمة: (كلمة حق.. يراد بها باطل) الحقيقة ان ظاهر.. هذا العرض الصهيوني كان يخفي في باطنه وجوهره الابقاء على المستوطنات الحاجزية الحاكمة استراتيجيا وعلى الطرق الالتفافية أياها ومن ثم على الطابع التقسيمي التجزيئي ـ الكانتوني كما قد نسميه لاقليم الضفة الغربية الأمر الذي لا يستقيم معه من الناحية الجيوبوليتيكية امكانية انشاء دولة فلسطينية تحقق لها بالفعل دعائم الاستقلال السياسي والقدرة الاقتصادية على الاستمرار والنمو ومن ثم على الوفاء بالمطالب الوطنية والمقتضيات الحياتية للشعب العربي في فلسطين. بعد ذلك ينتقل انتوني لويس الى لمحات يستعرض فيها لقارئه ـ الأميركي بالذات وهذا هو المهم ـ ابعاد الموقف الراهن في غمار الانتفاضة الثانية من جهة وفي خضم الدمار والدخان والخسائر الرهيبة الناجمة عن حملة (السور الواقي) التي مابرحت تشنها آلة الحرب الصهيونية المدعومة بمدد عسكري وتغطية سياسية أميركية من جهة أخرى وقد وصفها لويس ـ وسبقت الى وصفها أيضا مراجع دولية أخرى بأنها أوسع حملة عسكرية تشنها اسرائيل ـ شارون بالذات ـ منذ حملة حرب ـ اجتياح لبنان في ربيع عام 1982. ولأن انتوني لويس كاتب أميركي ويهودي كما ألمحنا ـ فهو يتوقف بمنطق الرفض عند العمليات الاستشهادية التي شنها أبطال وبطلات المقاومة الوطنية الفلسطينية في مواقع شتى في اراضي الضفة أو حواجز القطاع وفي أرض 1948 (التي تعد حسب اقرار الأمم المتحدة) جزء من اقليم اسرائيل. البنك الدولي محذرا ولكن لأن انتوني لويس كاتب يحترم عقل قارئيه ـ وتلك عملة ماأندرها في دوائر الاعلام الأميركي في هذه المرحلة ـ فإن الرجل لا يلبث يتوقف مليا في دراسة (نيويورك ريفيو اوف بوكس) عند مااقترفته يد شارون نفسه بحق الشعب والأرض في الضفة الغربية المحتلة تلك هي حقيقة الحصاد الذي فرضته قوات شارون على السكان الفلسطينيين فحصرتهم ـ كما يعترف لويس ـ داخل جدران قراهم وبلداتهم وعمدت الى تقسيم المناطق المحتلة الى 200 من الجيوب المشتتة، المجزأة، المعزولة عن بعضها البعض ـ وبعدها انفردت الجرافات الاسرائيلية بالسكان المحاصرين لكي تدمر مواردهم وسبل معيشتهم مابين هدم البيوت الى اجتثاث وحرث مزارع الزيتون. ورغم ان الكاتب الأميركي يتعامل مع فعاليات المقاومة الاستشهادية الفلسطينية بمنطق انها (ارهاب) وهذا أمر نراه طبيعيا ان لم يكن متوقعا ـ الا انه لا يتورع موضوعيا عن ادانة رد الفعل الاسرائيلي الذي نسميه من جانبنا باسم إرهاب الدولة في حين أن الاستاذ انتوني لويس يجمل حكمه عليه في عبارات تقول: ـ غالبا ما كانت اسرائيل ترد على اعمال الارهاب هذه بمعاقبة الذين لم يرتكبوا ارهابا من الاساس بل كانت تستخدم طائرات الأف ـ 16 (نسى لويس ان يذكر قارئيه بانها أميركية الصنع) لكي تدمر مباني الشرطة الفلسطينية بل وتقصف المواقع (المدنية) بمدفعية السفن الاسرائيلية الحربية.. وكان أن أدى هذا الحصار (الصهيوني) الى تدمير الاقتصاد الفلسطيني وزيادة معدل البطالة بين ابنائه الى مستوى 35 في المئة في الضفة وإلى 50 في المئة في غزة. ويشير لويس أيضا الى تقرير هام أصدره البنك الدولي في مارس الماضي حيث حذر البنك الدولي من أن القيود التي فرضها شارون وادارته الصهيونية (أوصلت الاقتصاد الفلسطيني الى حافة الانهيار) وفي هذا الخصوص يحذر المدير المسئول عن المنطقة في البنك الدولي، واسمه ينغل روبرتس قائلا: ـ لو استمرت هذه القيود فأنها سوف تفضي الى مزيد من العجز والقنوط والحرمان ومن ثم الى المزيد من اشتعال نيران الحقد والكراهية. وبديهي أن القيود مستمرة، وان لهيب الحقد لابد وأن يتأجج وسط سقوط الضحايا ومواكب الشهداء.. ومازال محلل سياسي أميركي محترم يبسط آراءه كي نستكمل عرضها وتحليلها في الجزء الثاني ـ الأخير من هذا الحديث. ـ كاتب سياسي من مصر