يبدو أن الادارة الاميركية نجحت في اخضاع قطاع كبير من نخبها المثقفة لوسواس خناس قهري، يخيل لهم ان وراء كل كلمة انتقاد حرة مؤامرة، وخلف كل رسالة الكترونية على الانترنت مخطط ارهابي، ووراء كل راكب عربي ومسلم ظل ارهابي، وفي ثنايا كل خطاب بريدي عادي جرثومة الجمرة الخبيثة، وفي كل معمل ومختبر أكاديمي بأي قطر عربي ومسلم تجرى محاولات لصنع اسلحة الدمار الشامل. فمنذ أحداث 11 سبتمبر المأساوية، وقبل ان تنقشع سحابات الدخان وتنطفيء ألسنة اللهب، صدر قرار الاتهام المسبق للعرب والمسلمين، ونشرت صور وأسماء لطلاب عرب، تبين ان كثيرا منهم ابرياء، وطالعوا اسماءهم كغيرهم من القراء وهم في اماكن بعيدة عن مواقع الحدث، ليتشكل لغز تتصاغر امامه كل ألغاز التراجيديات الاغريقية، ولن تفك طلاسمه قبل ان تبتلع نيران الهوس اهم منجزات الحضارة الانسانية، في حرب ضروس يضرمها الوسواس القهري، وخداع الذات قبل خداع الآخر، ويضبط ايقاعها قارعو الطبول من مخططين استراتيجيين وصحفيين وكتاب استوطنتهم مفردات اجندة اكثر تطرفا من عتاة الارهابيين، وتملكتهم رغبة مجنونة لاخضاع العالم لصوت المدافع. وفي سبيل اعلاء كلمة الوسواس الخناس القهري، وابقاء الاميركيين على حافة الهاوية، هاوية الخوف القهري من وقوع عمليات ارهابية، اخترعت القصص الوهمية وصيغت بعناية وغذيت بها وسائل الاعلام، لتتصدر نشرات اخبار الشبكات التلفزيونية والصحف، لدرجة اصدار قرابة المئة تحذير بقرب وقوع هجمات لم تقع، واعتقل اكثر من الف طالب عربي بدون دليل اتهام، ومازالوا خلف اسوار السجون الاميركية حتى الآن. وفي انقلاب واضح على قيم الحرية التي قام عليها البنيان الاميركي طيلة التاريخ الحديث، حداثة القارة الاميركية ذاتها، تمت التضحية بحريات التعبير والرأي، وفرضت الرقابة الصارمة على الدارسين الاجانب، واتيحت عمليات التنصت، باختصار تحول المجتمع الذي كان يتباهى بأنه مفتوح الى مجتمع مغلق أشبه بجمهوريات قمعستان الكاريكاتيرية. وحتى لا نوضع في قائمة من تستهويهم المبالغات والتعميم واطلاق الاحكام المطلقة، نشير الى آخر تقارير منظمة العفو الدولية والاتحاد الدولي للصحفيين، التي رصدت حالات الاعتقال لمجرد الاشتباه بدون دليل، وتزايد القبضة الامنية والتضييق على حريات التعبير. على ان الاخطر، والمثير للدهشة هو تحمس بعض الكتاب والصحفيين الاميركيين للاعتداءات على الخصوصية وحريات التعبير، وتحولهم الى مبعوثين وناطقين باسم الوسواس الخناس، لدرجة توجيه الاتهام لتكنولوجيا الاتصال الالكتروني، والدعوة لاخضاع «وادي رقائق الكمبيوتر» او «السيلكون فالى» لرقابة اجهزة الامن، تحت ضغط وسواس وهاجس الارهاب. وعلى هذا المنوال، يواصل توماس فريدمان الكاتب بصحيفة نيويورك تايمز والحائز على جائزة بوليتزر للصحافة، حملته الغريبة على شبكة المعلومات الالكترونية «الانترنت» ماداً حملته التحريضية لفرض رقابة على شركات البرمجيات، واخضاع مزودي خدمة البريد الالكتروني لرقابة الأمن، وكأن العالم اصبح مسكونا بأشباح ارهابية، ولم يعد أهلا للثقة، ولا يستحق سوى الخضوع لقبضة حديدية. اعترف أنني كلما تابعت كتابات فريدمان ومن ينسج على شاكلته تأكدت انهم جميعا بحاجة الى خبراء ومعالجين نفسيين، لتخليصهم من الوسواس القهري من باب الحرص على منجزات الحضارة والتكنولوجيا التي يدين عالمنا بجزء كبير منها لاميركا فرانكلين واينشتاين وتشوسكى وليس لأميركا المهووسة . اميركا مكارثي وبوش وهنتنجتون وفريدمان. وحتى تشفى هذه النخبة الاميركية من هوسها المصطنع والمبرمج من أعلى، أدعو اصحاب النوايا الحسنة الى سد اذانهم وتنظيفها بعد سماع ابواق التحذير الاميركي المألوف من هجمات ارهابية، وان ينتبهوا جيدا ويعدون على اصابعهم، ويستنشطون الذاكرة، لمراجعة كل ما قيل منذ 11 سبتمبر وألا يذهلوا لحد فقدان الوعي، عند اكتشاف ان كثيره زائف ومضلل وقليله معاد انتاجه من ملفات قديمة .. شفى الله الاميركيين من الوسواس الخناس.