البطالة مشكلة اقتصادية تكاد تكون معضلة بلا حل، حتى الدول المتقدمة لم تسلم من ضغوطاتها على الحياة الاجتماعية لأفرادها، لذا تبحث بين فترة وأخرى عما ينقذها عبر روشتات الآخرين. ولا نبالغ اذا قلنا ان البطالة بحد ذاتها هي لغة التماس السلبية مع الجانب الاجتماعي على طول الخط فهي قد تسبب وفقا للدراسات الميدانية لبعض الأفراد أعنف المشكلات المؤدية إلى ارتكاب افظع الجرائم وعلى رأسها «الانتحار» الفردي. وهذه المشكلة المتفاقمة في اوروبا اثارت مخاوف دول منطقة اليورو نظرا لارتفاع معدلاتها بسبب تراجع الطلب على المنتجات وزيادة خسائر الشركات الكبرى وتقلص معدلات «الانفاق الاستهلاكي وانخفاض الثقة في المناخ الاستثماري». وترى هذه الدول أن الحل كامن في تعديل قوانين العمالة باللجوء الى الاستفادة من النموذج الأميركي القائم على الاستغناء عن العمال وإعادة تشغيلهم وتخفيض معدلات الضرائب وتقليص ما يسمى ببدلات الرفاهية لاحتواء البطالة المتزايدة. وما تسعى اليه اوروبا او ما تريد الحفاظ عليه هو ادارة عملية الموازنة بين تقليص معدلات البطالة والحفاظ على مجتمع الرفاهية، لانها قامت من الأساس على توفير انواع كثيرة من الرفاه الاجتماعي لشعوبها التي يصعب عليها الآن التخلي عنه بعد ان ذاقت الطعم وعرفت الفائدة منه. هذا الوضع المتأزم في اوروبا، وهي تملك مقومات اصلاحه او تعديله لما لديها من اجهزة مدنية مرنة في التعامل مع المشكلات في أقصى درجات الحدة، الا ان البحث عن الحلول الجادة ساري المفعول مع ان اكثر من 50% من الدول الاعضاء بالاتحاد الاوروبي مثل بريطانيا وهولندا والسويد لديها معدلات بطالة اقل من الولايات المتحدة التي ارتفعت بها معدلات البطالة الى نحو 5.05 بالمئة في بدايات هذا العام، وتوضح الاحصاءات ان معدل البطالة في المانيا وفرنسا وايطاليا تجاوز تسعة بالمئة وهو معدل اكبر من البطالة بالولايات المتحدة، ويكاد يصل الى الضعف تقريبا. ويقول محللون اقتصاديون بريطانيون، ان النموذج الهولندي للتشغيل يعتبر اكثر ملاءمة لدول منطقة اليورو من النموذج الاميركي، مشيرين الى ان هولندا التي كان معدل البطالة بها الأعلى في دول منطقة اليورو في السابق أصبح الأقل، حيث بلغ اثنين بالمئة فقط دون الحاجة الى الغاء ما يسمى ببدل الرفاهية او حدوث تفاوت ملحوظ في الدخل. هذه المعضلة الاقتصادية اكثر وضوحا في العالم العربي، حيث تصل معدلات البطالة فيها أحيانا الى مستويات قياسية فاقت الثلاثين في المئة في بعض الدول. هذا مع عدم وجود أدنى درجات التفكير في البدائل المقترحة للحل الدائم، مع العلم بأن كل تعديل في القوانين الأوروبية الخاصة بالعمالة له تأثير على طرد العمالة المهاجرة والعربية تحديدا التي تزيد الضغط على البطالة العربية ونسبها المرتفعة. ولم تستطع هولندا علاج هذه الاشكالية الا من خلال اتفاقات خاصة مع اتحادات العمال في بداية الثمانينيات تحجم بمقتضاها الاخيرة عن المطالبة بزيادة الأجور مقابل استمرار الشركات في توفير فرص عمل مؤقتة. هذا الحل الذي حافظ على الرفاه في المجتمع دون اصابة الجسم العمالي بمرض البطالة او العطالة يصعب تواجده في كثير من المجتمعات العربية التي لا تكلف نفسها عناء البحث عما تخفف به معاناة الشعوب في سبيل معاشها الذي يصعب التنازل عنه.