ذهبت الفتاة الجميلة (معصومة) إلى المحكمة الإيرانية وقالت للقاضي: - ياجناب القاضي أنا لست أنا. أنت تراني معصومة. لكنني في الحقيقة لست أنا فأنا فوميكا. وتسألني من هي فوميكا أقول لك انني ابنة شاه ايران الراحل محمد رضا بهلوى! والقصة ببساطة ان البنت الإيرانية ذهبت إلى المحكمة بقصة معقدة تقول ان شاه ايران الراحل كان يتوق إلى ولد يورثه عرشه، ولكن زوجته التي لا أدري ترتيبها في عدد زوجاته ـ أنجبت له بنتا .. كارثة! تكتموا الامر في المستشفى واتوا للشاه بولد بدلا من البنت. وأعلنوا الأفراح أربعين يوما بوصول ولي العهد. وهي قصة يصعب علينا نحن العامة أن نصدقها. فنحن نستقبل أطفالنا بأنفسنا، ولا يبدلهم أحد، وإذا رأينا هذا في السينما استمتعنا أشد الاستمتاع، فنحن نحب الأفلام الخرافية ومن الصعب تصديق القصة ذلك لأنها تتطلب شروطا كثيرة. أولها أن الشاه يجهل أن طفله القادم بنت، وأظن انه كان يمكن معرفة جنس المولود بالسونار، وهو أمر يرفضه العامة مثلنا لأننا نؤمن بعطية الله، ونتقبلها بنفس راضية، وحتى الذين يتلهفون الى الصبي أكثر من البنت لا يجدون فرقا كبيرا في النهاية، وأعرف على الأقل عشرة أشخاص كل ذريتهم من البنات، والأمور تسير بهم كما تسير بغيرهم، وأحدهم وهو صديق قديم أنجب ثلاث بنات، وتفاخر عليه أخوته بالاولاد، فهم من أهل الصعيد حيث للولد مكانة كبيرة، وتمضي السنون فإذا بصاحبنا انجب دون ان يدري ثلاث عبقريات اثارت الضجة في المدرسة ثم الجامعة ثم المجتمع، والآن صاحبنا يجلس واضعا ساقا على ساق ويقول شاكيا: البنت فلانة الأمم المتحدة تريد الاستعانة بها في كندا، وأمها لا تريدها أن تسافر الى كندا وأنا واقع بين المطرقة والسندان. أما البنت فلانة فمصيبة حقيقية تصوروا انها اتصلت بي تدعوني لمناقشة الدكتوراه، أيه الدكتوراه يابنت ألم تحصلي عليها منذ عامين؟! تخيلوا: البنت تناقش الدكتوراه الثانية! أما البنت الثالثة فهي حبيبة أبيها، اخر العنقود، قالت لي انها لا تستطيع أن تجمع بين العمل والبيت، فهي زوجة وأم صغيرة، وافقتها وأنا في القطار دق الموبايل واذ به الوزير يلومني على اني شجعت البنت على الاستقالة ويطلب مني ان اتدخل بنفوذي واثنيها عن قرارها! ويختم صاحبنا حديثه بضحكة صافية، ولا يلاحظ اثناء ذلك الابتسامات الصفراء على شفاه اخوته، إذ لم يتخرج واحد من أولادهم، وهم تشكيلة غريبة فأحدهم من زبائن مستشفيات الادمان، وأحدهم ضرب الرقم القياسي في البقاء في الدراسة الجامعية، فلقد دخل الجامعة منذ تسعة أعوام، ولم يتخرج حتى الآن، وهكذا.. أقول ان قصة الفتاة معصومة قصة صعبة التصديق حتى لو كان الأمر يحدث في قصر شاهنشاه، بالطبع سيقولون للشاه: - مولانا صاحبة الجلالة انجبت طفلة جميلة تشبه أمها كما أنها أخذت من جلالتك عينيها وذقنها، ولكن إذا كنت ياصاحب الجلالة حريصا على مولد صبي للظروف المعروفة فإننا من الممكن ان نلقي بابنة جلالتك في الزبالة، ثم نستحضر ولدا يصلح لأن يكون وريثك الشرعي. أي أب من الممكن أن يوافق على هذا الاقتراح؟! وحتى اذا ما وافق عليه هل من الممكن ان يشارك في الأفراح التي دامت اربعين يوما وهو يعلم ان المحتفى به شخصية مزورة؟ أي بهجة سيحس بها الرجل وهو يعرف ان بهجته غير حقيقية، وانها من صنع رجاله، وهو يثق جدا برجاله، لكن الثقة لها حدود، ماذا يحدث لو ان واحدا من هؤلاء الرجال استيقظ ضميره بعد عشرين عاما أو ثلاثين عاما، وقال ان ولي العهد، ولعله سيكون آنئذ الشاه، ليس من الأسرة المالكة أصلا وان حكايته كذا وكذا، وربما أتوا بأبيه وأهله وربما كان أبوه اسكافيا كما في قصص ألف ليلة. الشاه لأنه شاه يعرف الكثير، ولذلك فهو يعرف انه بهذا التصرف سيدخل نفسه وأسرته وتاريخه في ألغاز ضارة. وفي المقابل نعرف شهوات السلطان في أن ينجب ولدا يخلفه على العرش، بالطبع يريد استقرار الأمور في مملكته واستمرار اسرته في الحكم وتمتعها بمزاياها، وقد يكون في الامر شيء نفسي، فالأب يظن انه يحكم حتى بعد موته اذا خلفه ابنه. ولسنا في حاجة لأن نلوي اعناقنا الى التاريخ فهو يدفع بآلاف القصص من يوليوس قيصر الذي أنجب من كليوباتره قيصرون، فأرادته خليفة لها، ولم يستطع ان يحكم قيصر هذا في نظام حريص على اختيار القيصر بالانتخاب، حتى ان السبب الحقيقي ـ ان كان هناك سبب حقيقي ـ لاغتيال قيصر هو انه هناك من عرض عليه التاج، فخاف أهل روما (الديمقراطيون) من استبداد قيصر. ويمر بنا التاريخ الى نابليون بونابرت الذي أقام امبراطورية كبرى، حقا انه فقدها في حياته لكنه كان يتمنى ان يكون له ولد قوي بدلا من ابنه الضعيف المريض، حتى يرث الامبراطورية التي مات وهو في منفاه بعيدا عنها. ومن قصص الطفولة التي امتدت الى الصبا وكان لها تأثير كبير في نظام الحكم قصة فاروق الذي انجب من الملكة فريدة التي تزوجها عام 1938 مجموعة من البنات، وبدأ الخلاف بينهما حول هذه القضية، فالرجال في ذلك الوقت ـ وربما مازالوا حتى الآن ـ يحملون زوجاتهم مسئولية انجاب البنات، في حين ان العلم قال غير ذلك. ربما كانت الخلافات حول الانجاب مصطنعة والاسباب اشياء أخرى، أيا كان طلق الملك زوجته في أسوأ الظروف، فانحاز الناس الى الملكة ربما لأنها امرأة وضعيفة، وانها متهمة بجريمة لا ذنب لها فيها، وربما لأن سمعتها كانت أفضل بكثير من سمعة الملك وقامت المظاهرات تهتف بسقوط الملك، وحياة الملكة.. السابقة! وتزوج الملك بعدها ناريمان، وكرهنا جميعا ناريمان وقامت المظاهرات تهتف في بذاءة بسقوط الملكة الجديدة، ولا أظن أن فتاة ظلمت مثلما ظلمت ناريمان، لقد تقدم لخطبتها ملك وقبلت لتعاني حياة مرفوضة وانجبت ناريمان ولي العهد بعد انتظار طويل، ولو ان فريدة انجبت هذا الطفل لتغير وجه التاريخ - ان كان بالامكان ان يتغير لكن الولد جاء بعد ان ضاق الناس بالنظام وهكذا حملت ناريمان وليدها الى الخارج، وقد صار الوليد هو الملك أحمد فؤاد الثاني بعد ان تنازل له أبوه عن العرش. لكن أحمد فؤاد الثاني لم يتول العرش، ويبدو انه كان من الذكاء بحيث لم يحلم بذلك، فالخطأ تراجيدي في الذاهبين انهم يتوقعون العودة وفي السلطة من يذهب لا يعود. وعودة الى قصة (معصومة) المنظورة الآن امام محكمة ايرانية، رنا القاضي طويلا الى الفتاة، وربما فهمت قصده قالت له: - أنا ياسيدي لا أطالب بشيء ولا أريد أن أكون أميرة، أنا فقط أريد أن أوثق نسبي! ولم يعلق القاضي، أجّل القضية ومال على الفتاة هامسا: انصحك بأن تستشيري طبيبا نفسيا! وأشهر (معصومة) أو مطالبة بالنسب الملكي هي الأميرة الروسية انستازيا ففي الثورة الروسية قتلت الاسرة القيصرية بكاملها، وبعدها بدأت اسطورة انستازيا التي قيل انها هربت أو ساعدها أحد على الهرب من المجزرة وبدأت القصة التي شغلت الدنيا سنوات طويلة فلقد ادعت أكثر من واحدة انها الأميرة انستازيا، والاعتراف بأن احداهن هي الأميرة يعني ثروة ضخمة كانت موضوعة في بنوك أوروبا خارج روسيا وتحولت القصة الى البحث عن الذهب وأصبحت كل انستازيا تظهر وحولها مؤسسة تنفق عليها وتقدمها للاعلام وتأتي لها بالمعلومات فالوثائق لم يعد لها أهمية، فلقد هربت انستازيا اذا كانت قد هربت وهي طفلة وليس لديها ما يدل على شخصيتها ولكن كان بعض أفراد الأسرة في أوروبا يريدون من الفتاة ان تعرف من الأمور مالم يعرفه أحد! ولقد كانت القصة موضوعا لعدد من الافلام السينمائية، من بينها فيلم جميل لانجريد برجمان ويول براينر. ونتوقع ان تكون (معصومة) موضوعا لأفلام سينمائية ايرانية، خاصة مع التقدم الهائل للسينما الايرانية في السنوات الأخيرة.