لماذا يتسكع الشباب في الاسواق، والاماكن العامة ويأتون بتصرفات يندى لها جبين الحياء؟ لماذا تمتليء المقاهي والمطاعم بأعداد غفيرة من الشباب يتحلقون بالساعات على طاولة اللعب، او على شرب الدخان، يطلبون كوب الشاي ويتلونه بطلب كوب من القهوة في مباراة ماراثونية لقتل الوقت وتضييع اكبر عدد مستطاع من الساعات في تلك الاماكن الصاخبة؟! ان هذه الاسئلة تتجدد في كل صيف حيث تغدو الصورة اكثر وضوحاً في تجسيد الواقع الذي عليه اغلب الشباب. لقد اختفى شعور هؤلاء بقيمة الزمن، واختلطت عليهم الامور على نحو يدعو للرثاء والألم. محنة هذه الفئة انهم لا يحسنون انتقاء الهدف الجيد، ولا يحسنون التعامل مع ذواتهم، وهم عاجزون فعلاً عن ادارة الوقت بعد ان غاب عن تصورهم معرفة البدائل، وانتفت من اذهانهم امكانية وجود طرق اخرى يمكن من خلالها ان يشعروا بالمتعة، وبهجة العطلة الصيفية بعيداً عن هذه المهاترات والاعمال الصبيانية السنوية المتجددة؟ ان هذا الواقع الذي نرفضه يتسبب فيه مع الاسف اكثر من طرف عقلوا عن القيام بأدوارهم المطلوبة تاركين الابناء عرضة للتجارب الذاتية، ونهباً لافكار اصدقاء السوء واقتراحاتهم الهدامة. هذه الغفلة عن إنارة الطريق للفتية والفتيات تشترك فيها اطراف كثيرة اولها الاسرة التي غاب فيها الحارس وانشغل بأمر نفسه تاركاً الامانة التي بين يديه نهباً للافكار الملغومة التي انسابت في ذهنه دون مقاومة منه او ممانعة لديه. على الضفة الاخرى تقف مؤسسات المجتمع التي كان جديراً بها ان تساهم في تعديل الموقف، وكان منتظراً منها ان تتولى المبادرة في انتشال هؤلاء الفتية من حيرتهم، وارتباكهم، وتقوم بتقديم خدمة متميزة تستقطب هذه الفئة وتفتح لهم المجال لاكتساب مزيد من الخبرة والمهارة بحيث يكون الصيف منطلقاً حقيقياً لتحرير طاقة اولئك الشباب، وتوجيهها للبناء لا للهدم. اول مؤسسة اقصدها بالحديث هي المؤسسة المدرسية حيث اكتفى المعلمون في اغلب المدارس بتقديم المنهج المقرر، وتوزيع اوراق الامتحان، ورصد الدرجات، ثم طووا دفاترهم، ورفعوا اقلامهم في إشارة علنية على ان واجبهم قد انتهى نحو كافة الطلاب!! رأيي الخاص ان هناك تقصيراً في حق الطلاب من قبل تلك المدارس التي لم يكلف العاملون فيها انفسهم عناء اعداد برامج ثقافية، او مشاريع علمية لينفذها الطلاب في الاجازة الصيفية. ومسألة تعطيل التفكير في انتاج برامج تشحذ همة الطالب، وتكسبه قدراً من الخبرة والمعرفة هي داء قديم يعاني منه العمل التربوي في مدارسنا، واكبر شاهد على ما اقول هي تلك المكتبات المعطلة التي تحتوي على امهات الكتب العلمية دون ان يكون لوجودها في تلك المدارس الاثر المطلوب!! فقد علا الغبار اغلفة الكتب نتيجة الترك والاهمال، وانصراف اغلب الطلبة عنها. ورغم ذلك فما من يدٍ تتحرك لتنشيط تلك الاجواء النائمة، وما من عقل تربوي يبدع برامج ذكية قادرة على تكوين صلة حقيقية بين الطالب وبين المكتبة المدرسية!! ومن الطبيعي ان تفرز حالة الركود الثقافي طيلة العام الدراسي، حالة اخرى مشابهة لها بعد نهاية العام. حيث لا توجد برامج إعارة للعطلة الصيفية، ولا توجد مشاريع تربوية تحرك اذهان الطلبة باتجاه المعرفة، وتمد جسور الوصل واللقاء بين اولئك الطلبة وبين الكتاب هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان مؤسسات رعاية الشباب، والمؤسسات الثقافية المختلفة التي من بينها المكتبات العامة، ومؤسسات رعاية الاسرة، والمراكز الثقافية بالدولة، ولا استثني من المسئولية القطاع الخاص الذي يفترض ان يؤدي زكاة نشاطه الاقتصادي على شكل برامج تستقطب هذه الفئة الشبابية. وقد يقول قائل: ان هناك بعض الانشطة الصيفية والجواب هناك انشطة محدودة وقليلة ولا يتوفر الدعم الكافي لتقوم بواجبها.. ترى هل ثمة أمل في الاستدراك والتصحيح؟ هذا ما نتمناه.