آلاف من السودانيين الجنوبيين مفعمون بمشاعر حقد جنوني يندفعون في شوارع العاصمة الخرطوم، فيعتدون على المارة ويقتحمون المتاجر ويضربون أصحابها ويضرمون النار في سيارات متوقفة او يوقفون سيارات لاخراج اصحابها منها ليوسعوهم ضربا مبرحا. وتكون النتيجة النهائية قتلى وجرحى بلا حصر. هذا المشهد وقع قبل ما يقارب أربعين عاما ودخل تاريخ مشكلة الجنوب تحت اسم «الأحد الدامي» والآن يظهر مؤشر خطير بأن التاريخ قد يكرر نفسه في الخرطوم. في الاسبوع المنصرم أقامت مجموعة من الطلاب الجنوبيين في جامعة النيلين احتفالا خطابيا لاحياء ذكرى اطلاق أول رصاصة من جيش قرنق الذي يطلق عليه «الجيش الشعبي لتحرير السودان». وكان من أبرز فعاليات الاحتفال رفع علم حركة التمرد. وبعد اشتباك بالايدي مع طلاب شماليين استفزهم المشهد الاحتفالي، تدخلت قوات الأمن واعتقلت ضمن من اعتقلت 25 طالبا جنوبيا تمهيدا لتقديمهم الى المحاكمة. ولا أدري ما هو موقف قادة أحزاب وتنظيمات المعارضة الشمالية في الداخل أو الخارج. ولكن ان رأى بعضهم في مسلك هؤلاء الطلاب الجنوبيين المفترض انهم منتمون الى جيش قرنق او على الاقل متعاطفون معه تسجيل نقطة لصالح المعارضة في سياق مواجهتها مع النظام الحاكم، فانه يكون موقفا لا يعكس سوى قصر النظر. فقوات قرنق عندما ظهرت الى حيز الوجود قبل 19 عاما فانها اطلقت اولى رصاصاتها صوب القوات المسلحة السودانية في عهد الرئيس جعفر نميري.. ومن ثم لم يتوقف الاطلاق حتى يومنا هذا، عبورا بعهد سوار الذهب الانتقالي وعهد الديمقراطية الثالثة التي كانت احزاب المعارضة الرئيسية الشمالية اليوم هي الطبقة الحاكمة فيها. حركة قرنق هي اذن تنظيم جنوبي مسلح يوجه عداء ثابتا ضد أهل الشمال أجمعين وعلى اطلاقهم. اما الفارق بين نميري وسوار الذهب والصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني وعمر البشير ـ من وجهة نظر قرنق ـ فهو ليس الا فارقا «تكتيكيا» لاستخدام بعضهم كقادة شماليين عرب ومسلمين ضد البعض الاخر من منظور مرحلي انتهازي. هذه هي الزاوية التي ينبغي ان ننظر من خلالها في خطورة بروز تنظيم طلابي جنوبي داخل الخرطوم يعتبر نفسه امتدادا لحركة التمرد المسلح. ان الحرية الديمقراطية ليست واردة في هذا السياق. فليس من الديمقراطية في شيء ان يسمح لأي حركة سياسية بممارسة النشاط السياسي الحر والعمل العسكري في آن معا. مع ذلك فانني لا أرى في بروز تنظيم طلابي موالٍ لحركة التمرد المسلح خطورة سياسية، انما ارى خطورة أمنية في اطار الوجود الديمغرافي المكثف للمواطنين الجنوبيين في العاصمة الخرطوم. واذا كانت اعداد الجنوبيين في الخرطوم عند وقوع حادثة «الاحد الدامي» في عام 1964 لم تكن سوى بضعة آلاف، فان اعدادهم اليوم تحسب، بتقدير متواضع، من مليون فما فوق. والسؤال: كم من هؤلاء قابلون للتجنيد من قبل حركة قرنق كعناصر في تنظيم مسلح سري ليكون جاهزا وفقا لاشارة معينة في ظرف استثنائي معين لارتكاب مذابح جماعية في أوساط المدنيين من أهالي الخرطوم وأسرهم؟ ولئن كان تحرك «الأحد الدامي» في خرطوم الأمس انفعاليا عفويا، غير منظم سلفا.. واذا كانت جموع الجنوبيين آنذاك مسلحة بالايدي والارجل فقط، فان التحرك المحتمل في خرطوم اليوم سوف يكون قصة مختلفة. فالهجوم سوف يكون منظما والجموع سوف تكون مسلحة بمدافع رشاشة وقنابل يدوية. وأقول ان بعض قادة المعارضة الشمالية مصابون بقصر النظر لأنهم في حال وقوع مثل هذه الدموية العظمى سوف يكونون في مقدمة ضحاياها لا لأي سبب الا لأنهم شماليون. ليست هذه دعوة الى زعماء المعارضة الشماليين ان يتخلوا عن موقفهم المعارض للنظام الحاكم، لكنني اقول ان أي زعيم معارض في أي زمان أو أي مكان ينبغي أن يتمتع بقدر من الخيال السياسي وبعد النظر وسعة الافق الذهني، بما يؤهله للتسامي فوق الخصومات السياسية في الظروف الاستثنائية عندما يكون الجميع ـ نظاما ومعارضة وشعبا ـ معرضين لاحتمال محنة مشتركة. وانطلاقا من ذلك اقول انني أرى في رفع علم التمرد في قلب الخرطوم ـ وحتى وان بدا كحادثة احتفالية عابرة ـ نذيرا مبكرا لما قد يكون أدهى وأمر. والله أعلم أحمد عمرابي