العرب يعيشون أزمة فكرية وسياسية واقتصادية وثقافية. لقد قطعوا شوطا لا بأس به نحو تحقيق النهضة العلمية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وكان يمكنهم ان يقطعوا شوطا اطول في هذا الاتجاه. عند تفسير عدم تحقيق العرب للقدر الذي ينشدونه من النهضة ينبغي الانطلاق من تعدد الاسباب في تحقيق النهضة ومن التفاعل المستمر بين هذه الاسباب ليس لدينا وعي كاف بديناميكية الظروف الاجتماعية بالمعنى الاعم وبديناميكية العلاقات البشرية. ومن الخطأ الذي ارتكبه ويرتكبه كثيرون عند الكلام عن عدم كفاية تحقيق النهضة ردهم ذلك الى سبب واحد. ومرد عدم تحقيق النهضة المتوخاة او عدم الانطلاق العربي نحو تحقيق قدر اكبر من النهضة عوامل منها ظروف الحكم الاجنبي المتطاول والاستعمار الغربي والاستقلال الاجتماعي والعولمة والانغلاق الفكري وطريقة التنشئة الأبوية الذكورية. ويقوم سبب آخر وهو غلبة النزعة الرومانسية على قدر كبير من تفكيرنا، كثير منا لا يقدر التقدير الكافي صعوبة تحقيق الاهداف. وعدد لا يستهان به منا يفتقر الى المعرفة الصحيحة بالواقع العربي بابعاده المختلفة: ابعاد التاريخ والثقافة والاقتصاد والاجتماع. وكثير منا لا يدرك قوة وطبيعة الصلة القائمة بين الحالة الداخلية والحالة الخارجية. ومنا من لا يعرف ان يتناول العلاقة المعقدة القائمة بين المذهب النقلي والمذهب العقلي. وكثير منا ليست لديه الجرأة على وضع النقاط على الحروف وعلى الابانة عما يجيش به الصدر. مقاييس النهضة وليس لدينا وعي كاف بتاريخية الظواهر الاجتماعية بالمعنى الأعم. ولم يٌعط العلم في مجتمعاتنا المركز اللائق به، المركز الذي يستحقه. ولا يؤدي العلم في مجتمعاتنا الدور الذي ينبغي ان يؤديه في مجتمع تشكل الاسس العلمية اسسا مهمة لبنائه. وتكثر لدينا مفاهيم مثل الديمقراطية والحرية والرخاء والعدالة الاجتماعية فتتحول هذه جزئيا او كليا الى مجرد شعارات لعدم النجاح في نقلها من الامكان الى الحقيقة. ولا يفهم كثير منا حتمية التأثير المتبادل بين الحضارات والثقافات. ويبدو ان كثيرا منا لا يقدرون تقديرا صحيحا سرعة التطورات التكنولوجية وسرعة انتقال آثارها على الساحة الدولية. والسبب الأهم في ابطاء أو تأخير تحقيق النهضة هو الافتقار الى الحرية بالمعنى الاوسع ـ الحرية الاجتماعية والفكرية والثقافية ـ وتدني مركز المرأة. ولا يمكن تحقيق قدر اكبر من النهضة القوية الحقيقية دون تحقيق الحرية الفردية. وتحقيق النهضة والانبعاث النفسي ليس يسيرا، ويستغرق وقتا طويلا. وليس من السهل على العرب ان يحققوا خلال بضعة عقود ما حققته شعوب غربية طوال قرون من السنين. الاعتماد على الغير ويستهلك المستهلكون في البلدان النامية شتى المنتجات الغربية من قبيل السيارات واقراص اللحم المشوي من المطاعم في بعض المدن. غير ان احد المقاييس الاهم للنهضة هو مدى وعي الفرد بنفسه وبغيره، ومدى وعيه بنهاية نطاق حرية الفرد الآخر، ووعيه بمسئولياته حيال الدولة ومسئوليات الدولة حياله، ومدى وعيه بانسانيته وكرامته القومية والانسانية. وتتسم حالة كثير من البلدان النامية بشدة التدهور في ميدان المحافظة على كرامة الانسان وعلى حقوق الانسان. ومما اسهم ـ ولايزال يسهم ـ في ابطاء تحقيق النهضة العربية التدخل الاجنبي الطويل والمكثف في شتى المجالات، الذي ادخل الاضطراب في عملية التطور الاجتماعي والاقتصادي السلس الطبيعي. ويبدو ان نظرتنا لاتزال متسمة بثنائية الفكر المتمثلة في الفكر المنطلق من وجود شقي نقيض، دون اعتبار وجود صفة او صفات تقع ما بين السخف والمنطق. ومن اللافت للنظر ان كثيرا من الناس من المثقفين والكتاب وغيرهم الذي يقرون بوجود هذه الظاهرة وينتقدونها ويقرون بانها صفة سلبية ويحذرون من مغبة الوقوع فيها يقعون هم انفسهم فيها في بياناتهم الشفوية والمكتوبة وفي السلوك الذي يسلكونه والمواقف التي يتخذونها. وتنسب فئات غربية معروف عنها انها تناصب الشعوب النامية العداء الى العرب عيوبا. وليس من الصحيح الصاق كل او جل العيوب بجماعة بشرية معينة والصاق كل الخصال الطيبة بجماعة بشرية اخرى، فهذا الالصاق يفتقر الى التوازن وذلك لان من الطبيعة البشرية ان تنصف اية جماعة بشرية بصفات سلبية وبصفات ايجابية. لقد اسهم كثير من وسائل الاتصال الغربية اسهاما كبيراً في اشاعة صورة سلبية عن العالمين العربي والاسلامي بتركيزها على ذكر جوانب سلبية وكثير من الصفات السلبية التي تنسبها تلك الوسائل الى العرب والمسلمين ليست موجودة فيهم،واهملت وسائل الاتصال هذه ذكر جوانب ايجابية في حياة العرب والمسلمين وفي قيمهم وعقائدهم الانسانية والدينية ولم تقم تلك الوسائل بوصف موضوعي للحالة القائمة. تعظيم الذات وفي الحقيقة ان عيوبا تعتور حياة العرب، شأنهم شأن كل الشعوب الاخرى، ومن هذه العيوب المبالغة في تعظيم الذات، ومن اسباب هذه المبالغة ان العرب امة شديدة الاعتزاز بنفسها وبثقافتها، وهذا الاعتزاز يسهم في تقليل الميل الى التعلم من الآخرين، وفي ايجاد قدر كبير من الاعراض عن قبول النقد، ومن اسباب هذه المبالغة ايضا الهزائم الثقافية والعسكرية، والخوف من فقدان الهوية وخضوع العرب لحكم استعماري طويل. وثمة عيب آخر وهو قدر كبير من الميل الى انكار العيوب والتستر عليها، وهذا العيب يحول دون الاصلاح لأن من المتعذر ازالة ما لا يعترف بوجوده. ولدى العرب قدر كبير من اللجوء الى الماضي مما عزز النزعة الى الماضوية. حاضر العرب ليس كما يحبون. يشهد هذا الحاضر الضعف والتجزئة والهوان والافتقار الى الرؤية الواضحة، ومستقبلهم يغلفه قدر كبير من الغموض. وتوجد دلائل على ان المستقبل سيشهد كوارث قد تكون اشد من الكوارث التي يشهدها حاضرهم. هذا الواقع قوي النزعة الماضوية ولكن هذه النزعة لا تكفي لاصلاح المجتمع وللتخلص من العيوب. والعيب الآخر المجاملة التي تطغى على قدر كبير من العلاقات بين الافراد وتكون هذه المجاملة احيانا على حساب قول الحقيقة وعلى حساب الكشف عنها والمجاملة في التعامل قد تحول دون السلوك الذي تستوجبه المصلحة ويستوجبه ذكر الحقيقة، وفي الحالات التي يتطلب سلوكنا توخي الصراحة والصرامة لا تكون المجاملة السلوك الامثل. المجتمع المدني ومن اللازم ان ينشأ ويتعزز لدى العرب المجتمع المدني وتتعرض الدول كلها وعلى وجه الخصوص الدول النامية والفقيرة والضعيفة لضغوط خارجية مستمرة وتشتد هذه الضغوط قوة على البلدان الفقيرة المحتاجة والضعيفة، ولهذه الضغوط واحيانا القيود مظاهر مختلفة. وأحد هذه المظاهر النزعة الحمائية التي تتمثل في وضع الحواجز التجارية ويأخذ بها عدد من البلدان الغربية، تقلل هذه الحواجز حجم الصادرات من البلدان النامية وبالتالي تسهم في اعاقة النمو والتنمية فيها، ومن هذه المظاهر ايضا تقليل البلدان المتقدمة النمو لحجم استثماراتها في البلدان النامية وتقليل المساعدة التي تقدم الى تلك البلدان. لقد كان ذلك التقليل سببا اسهم اسهاماً كبيراً في تقليل اسعار السلع الاساسية التي تصدرها البلدان النامية، ومن تجليات هذه الضغوط ايضا ممارسة بعض الدول المتقدمة النمو لضغوط متزايدة على مصارف التنمية الاقليمية بهدف جعل المعونة المالية المقدمة من المؤسسات المالية والنقدية الدولية ـ من قبيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ـ الى الدول النامية مشروطة بشروط اقتصادية وسياسية، مما جعل ويجعل البلدان النامية تشكو من هذه الضغوط وتعتبرها تدخلا في شئونها الداخلية. مواجهة الضغوط ومن وسائل دعم الدول في التصدي للضغوط الخارجية نشوء المجتمع المدني ونموه واشتداد ازره، ولا يوجد مجتمع مدني قوي في عدد من المجتمعات العربية. وعن طريق تعزيز المجتمع المدني يتعزز التفاعل الايجابي بين مؤسسات الحكم والمجتمع. ومن سمات المجتمع المدني ومن الصفات التي تعزز ايضا هذا المجتمع ممارسة الاخذ والعطاء الفكريين وممارسة التقاسم والتشاطر وممارسة الحوار في بلورة الافكار والمواقف وهذه الصفات اما ضعيفة او غير ناشئة في كثير من بلدان العالم النامي. ان ظروف الضغط الاجتماعي والفقر وانعدام الطبقة الوسطى او ضعفها وغلبة النظام الابوي الذكوري التسلطي وسيطرة روح العشائرية والحمائية وتعرض الشعوب العربية لموجات من الغزوات العسكرية الاجنبية من اوروبا في العصور الوسطى حتى الوقت الحاضر ومن الشرق وخضوع العرب مدة اربعة قرون لحكم الدولة العثمانية ـ كل هذه العوامل اعاقت ولاتزال تعيق نشوء وتعزيز المجتمع المدني. لقد شاهد العرب دولا لم تنشأ عن مجتمعهم الاهلي ولكن دول غربية عنهم مثل دولة المغول ودولة المماليك، وغربة هؤلاء الحكام عن العرب كانت عاملا مهما في ازالة او اضعاف الظروف المؤدية الى نشوء المجتمع المدني. ـ استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة