قالوا عن الشعر:(1) قال رسول الأمة عليه أفضل الصلاة والسلام. «الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام». وقال عليه الصلاة والسلام «إن من الشعر لحكمة» (2) قال حسان بن ثابت وانما الشعر لب المرء يعرضه على المجالس إن كيْساً وإن حمقا وإن أشعر بيتٍ أنت قائله بيت يقال اذا انشدته صدقا «كلما قرأت ازددت علما بنفسك» منذ أمدٍ طويل ومثلي يقع في حيرة كلما وردت عليه قضية الشعر والاخلاق حتى صرت لا أعلم حقيقة الصلة والعلاقة الحقيقية بينهما، فأكثر ما قرأت في هذا الموضوع يقع بين متعصبٍ للاخلاقِ لا يرى الشعر شعرا إذا خلا من دعوة إلى الخلقِ الكريم والصفات الحميدة وقضايا الأمة. أو بين من يرى ارتباط الشعر بذلك ليس إلا مواعظ منظومة موزونة مقفّاة لا شعر فيها ولا شاعرية. وظل الامر عندي كذلك حتى وقعت يدي على كتيب صغير لاستاذ أديب وهو الدكتور جعفر حسن الشكرجي. والكتيب صادر عن «المجلة العربية» وهي مجلة سعودية ثقافية شهرية تُعْنى بالادب والشعر والثقافة على وجه العموم. أما الكتيب فهو من الكُتيبات التي تصدر مع المجلة شهريا وقد صدر مع المجلة حتى صدور هذا الكتيب «الشعر والأخلاق في تراث العرب النقدي» واحد وستون كتيبا، من بينها هذا الكتاب، الذي شفى غليلي في هذه المسألة، الدكتور حيث فصلها الدكتور جعفر، حسن وهو عراقي المولد درس في عدة جامعات عربية وهو الآن يدرس باحدى جامعات ليبيا. ولقد عرض الدكتور في كتيبه هذا لمنظور الاسلام وأهله بداية من الكتاب المنزل وأقوال الرسول الكريم في الشعر مرورا بأقوال وآراء كبار الادباء والعلماء من المسلمين في الشعر بداية من صدر الاسلام ومرورا بأهم فترات العناية بالشعر. المهم أن خلاصة هذا الكتيب أن الخلاف وقع ولا يزال بين الفريقين. الاول يصر ان الشعر لابد له من مهمةٍ أخلاقية بما ينبغي أن يتضمنه من فضائل وقيم سامية وبالتالي فانه يدخل المعيار الاخلاقي في تقييمه للشعر. أما الفريق الثاني فانه ينكر ان تكون للشعر تلك المهمة الاخلاقية فلا يجب ان تؤخذ الاخلاق في الاعتبار عند تقييم الشعر إذ يجب أن يقوم التقييم على أسس فنية خالصة. ومن الاوائل الذين أكدوا على ضرورة ارتباط الشعر بالاخلاق أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطيا الذي عاش حتى 322 هـ وهو صاحب كتاب عيار الشعر وكذلك قدامة بن جعفر الذي عاش حتى 337هـ وهو صاحب كتاب نقد الشعر. وقراءة مثل هذا الكتاب الذي ذكرت آنفا قراءة مفيدة تجلو لك ذلك الجدل القديم بين الفريقين ثم تضعك أمام حل واحد لا ثاني له وهو ضرورة ان يكون هناك فريق ثالث ولعله فريق موجود وهو ذلك الفريق الذي يحرض على الشعر الحسن في صياغته وفي مضامينه وبذلك يتم الكمال في الشعر. ولن يتم ذلك لهذا الفريق وكثير من الناس من يعتقد جهلا بأن قول الشعر حرام وملهاة مهما كان مضمونه اذا لم يكن وعظا وحكمة وانه قربة الى الخالق إذا كان حكما ومواعظ. فرُبّ قصيدة لم تحمل موعظة مباشرة ولا حكمة بالغة ولكنها حملت في ثناياها عاطفة جياشة من عواطف الانسان الحي الذي قد لايعرف ان يعبر عنها بغير الفرح والانبساط او الحزن والانقباض، فيأتي الشاعر الفنان فيعبر عن ذلك بقصيدة يرددها الناس مدى الدهر. ومن جميل الشعر الذي يجمع بين حسن الصياغة وجميل المضمون ورقة العاطفة هذه الرائعة لخير الدين الزركلي والتي يناجي فيها بلده الشام فقد ولد ببيروت في 1893م، ونشأ في دمشق وهو من أهل الصحافة والادب، انشأ في سنة 1920 جريدة المفيد في الشام ثم نزح الى مصر وشارك في الحركة القومية ضد المستعمر وله كتابه الشهير «الاعلام» وهو معجم في سير اعلام اهل زمانه وهو شاعر له الرائعة التالية التي تقطف منها. نجوى العَينُ بَعد فراقها الوطنا لا ساكنا ألفت ولا سكنا ريانة بالدمع اقلقها أن لا تحس كرى ولا وسنا كانت ترى في كل سانحة حسنا، وباتت لاترى حسنا والقلب لولا انة صعدت انكرته، وشككت فيه أنا ليت الذين احبهم علموا وهم هنالك، ما لقيت هنا ما كنت احسبني مفارقهم حتى تفارق روحي البدنا يا موطنا عبث الزمان به من ذا الذي اغرى بك الزمنا؟ قد كان لي بك عن سواك غنى لا كان لي بسواك عنك غنى ماكنت الا روضة آنفا كرمت، وطابت مغرسا وجنى عطفوا عليك، فأوسعوك أذى وهم يسمون الأذى مننا وحنوا عليك، فجردوا قضبا مسنونة، وتقدموا بقنا يا طائرا غنى على غصن و «النيل» يسقي ذلك الغصنا