جاء اجتماع وزراء خارجية الدول العربية الاخير ببيروت لتفعيل المبادرة العربية التي وافقت الدول العربية عليها في القمة العربية الاخيرة، وللتباحث في فكرة المؤتمر الدولي للسلام التي طرحها رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون، ورحبت بها الولايات المتحدة الاميركية، بل اصبحت من اشد المتحمسين لها. إلا ان الفكرة لم تلق استحسان الدول العربية، لانها رأت فيها بوادر ترمي الى نسف كل الاتفاقات الموقعة سابقا بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، واكثر من ذلك ان فكرة المؤتمر تزامنت مع مبادرة ولي العهد السعودي للسلام، وهي المبادرة التي احرجت اسرائيل وجعلتها تظهر امام العالم كله انها هي التي ترفض السلام، اما العرب فقد اعلنوا صراحة وعلانية امام العالم بأنهم يعترفون باسرائيل ويقبلون بالتعايش معها في امن وسلام، فماذا تريد اسرائيل اكثر من ذلك؟ فرض الامر الواقع ان اسرائيل تؤكد للعالم علانية بأنها لا تقبل بالمبادرة العربية ولا تقبل بالاعتراف العربي بها كدولة قائمة بذاتها، بل ما تريده هو مساومة العرب على حقوقهم المغتصبة، اي انها لا تريد الالتزام بالقرارات الدولية التي تطالبها بالانسحاب من الاراضي العربية المحتلة عام 1967، ولذلك طرحت فكرة المؤتمر وطالبت بمشاركة كل الدول العربية فيه بحضور الولايات المتحدة الاميركية، وفي اثناء المؤتمر سوف تعمل بمساندة الولايات المتحدة الاميركية لها على فرض اقتراحاتها للسلام وتحديد سقف معين للسلام مع العرب وترغمهم على قبوله امام الولايات المتحدة الاميركية، خاصة ان الظرف الاقليمي الذي اعقب اجتياحها لجنين وبقية الاراضي الفلسطينية يساعدها على املاء شروطها. واذا ما نجحت اسرائيل في اقناع العرب بقبول فكرة المؤتمر فإنها في هذه الحالة سوف تكون نجحت في نسف كل الاتفاقات الموقعة سابقا، علما انه في حالة قبول العرب بالمؤتمر «والمرجح انهم سيقبلونه تحت ضغط الولايات المتحدة الاميركية» فإن ما يسمى بالعملية السلمية سوف تبتديء من جديد وسوف تكون جولات اخرى تتمخض عن المؤتمر تمتد لسنوات طويلة اخرى تستغلها اسرائيل لاعادة ترتيب بيتها من الداخل، وتعيد حساباتها الاستعمارية ببناء المزيد من المستوطنات وبجلب العديد من اليهود المتواجدين في العالم، وعندها سوف تفرض على الفلسطينيين امراً واقعاً عليهم ان يقبلوه. ولكن قبل ان يتحقق لهم ذلك بدأ الاسرائيليون يفكرون في الطريقة التي تمكنهم من تحقيق سياستهم الرامية الى فرض تصورهم للسلام مع العرب، فوجدوا انه من الصعوبة التعامل والتفاوض مع رجال السلطة الفلسطينية الحاليين خاصة المفاوضين الرئيسيين منهم، لانهم فشلوا خلال السنوات العشر الاخيرة في اقناع المفاوض الفلسطيني بقبول الشروط الاسرائيلية ولذلك نلاحظ الحملة الاسرائيلية والاميركية على حد سواء بمطالبة ياسر عرفات بضخ دماء جديدة في السلطة الفلسطينية وتحديدا على مستوى الاشخاص الذين يتولون مهمة التفاوض مع الطرف الاسرائيلي بمعنى آخر ما تريده الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل مسئولين فلسطينيين يحملون افكاراً جديدة عن السلام يمكن البدء معهم من جديد على اساس المؤتمر الدولي للسلام، وليس على اساس المرجعيات الدولية السابقة وما تم التوقيع عليه في مدريد وأوسلو وغيرها من المؤتمرات. سياسة المماطلة وللعلم فإن زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي الاخيرة للولايات المتحدة الاميركية كانت تصب في هذا الاتجاه، اي اتجاه تفعيل فكرة المؤتمر والضغط على ياسر عرفات لاجراء اصلاحات سياسية داخلية، مع ان فكرة الاصلاحات هي شأن داخلي ليس لاسرائيل ولا للولايات المتحدة الاميركية الحق في الكلام عنها أو بالضغط على السلطة الفلسطينية للقيام بها، لانها سلطة تتمتع بالسيادة والاستقلالية ومن حقها هي وحدها القيام بما تراه صالحا لها ومن حقها وحدها اختيار المسئولين المؤهلين للتفاوض مع اسرائيل. اما ان يفرض ارييل شارون افكاره وشروطه للسلام فإننا هنا سوف نكون امام معادلة خطيرة تشبه الى حد بعيد ما وقع خلال الحرب العالمية الثانية عندما فرضت دول الحلفاء على المانيا المهزومة التوقيع على وثيقة الاستسلام، وهذا ما يريده شارون بعد ان تراءى له انه هزم السلطة الفلسطينية والعرب عندما اجتاح الضفة الغربية ولم يحركوا ساكنا، فما عليهم في هذه الحالة ـ حسب رأيه ـ إلا الجلوس الى طاولة المفاوضات ولكن بعد المشاركة في مؤتمر سوف يستمعون فيه الى شروطه للسلام، وبعدها عليهم ان يختاروا مفاوضين مناسبين لا يساومون أو يعترضون على ما تطرحه اسرائيل لانه ليس امامهم إلا خيار واحد إما قبول الشروط الاسرائيلية للسلام التي تتجاهل المرجعية الدولية واما استمرار الوضع القائم الذي هو في صالح اسرائيل اكثر مما هو في صالح الفلسطينيين الذين يزداد وضعهم الاقتصادي سوءا بعد نجاح اسرائيل في تحطيم البنية التحتية للفلسطينيين، بينما تزايد الدعم المالي والعسكري الاميركي لاسرائيل لانها في رأي الادارة الاميركية تعاني ارهاباً منظما من السلطة الفلسطينية بمساندة الدوائر العربية ولذلك يتعين مساندتها ودعمها لكي لا تنهار امام العمليات الاستشهادية. وتبقى المشكلة الاساسية في الموقف العربي من المؤتمر، حيث رحب العديد من الدول العربية بالفكرة وهذا معناه قبولها ضمنيا بجدول اعماله الذي سوف تتولى الادارة الاميركية الاشراف عليه واعداده باعتبارها راعية المفاوضات والسلام، ومعنى ذلك ان جدول الاعمال سوف يراعي المواضيع التي ترغب اسرائيل في مناقشتها على الحضور العرب وعندها يتعين عليهم قبولها او قبول بعضها، وعندها نكون نسفنا عشرية من الزمن بذل فيها الفلسطينيون والعرب جهوداً كبيرة من المفاوضات العلنية والسرية والمكوكية الى ان توصلوا الى توقيع اتفاقات رفضت اسرائيل الالتزام بها اليوم. والطامة الكبرى ان ارييل شارون قالها صراحة انه يقبل بدولة فلسطينية، ولكن بعد مفاوضات طويلة وعسيرة، ولم يحدد المدة الزمنية التي سوف تستغرقها هذه المفاوضات الطويلة، ومعنى ذلك انه علينا التهيؤ لسنوات طويلة اخرى من المفاوضات الى ان نصل الى اتفاقات اخرى لاتسمن ولا تغني ولا نعلم هل تلتزم بها اسرائيل أو لا تلتزم، ويمكن ان ندخل في مؤتمرات ومفاوضات اخرى بمفاوضين آخرين لان المفاوضين الحاليين ربما يكون منهم من تركنا الى الدار الفانية، وهذا ما نجحت فيه اسرائيل منذ قيامها عام 1948 والى اليوم باتباع المماطلة والتملص من الاتفاقيات وربح الوقت للتوسع اكثر. لذلك يجب الانتباه الى ما ترمي اليه اسرائيل من مشاريعها ومخططاتها، وذلك برفض اي مشروع آخر ينسف الجهود التي بذلت سابقا لان نسفها يعتبر مكسبا لاسرائيل وخسارة للعرب. ـ كاتب جزائري