ـ تستوقف السيارة بجلافة عند نقطة تفتيش اسرائيلية. المرأة الفلسطينية التي تعاني لحظات المخاض داخل السيارة تتعالى صرخاتها مع اندفاع الجنين في احشائها. الجنود الاسرائيليون يرفضون بعناد مرور السيارة عبر نقطة التفتيش للتوجه الى المستشفى. وبينما يواصل سائق السيارة التوسل الى الجنود فان المرأة تضع حملها. يسمح الجنود للسيارة بالعبور اخيرا. ولكن بعد 40 دقيقة يموت الطفل الوليد في المستشفى. ـ اسماعيل ابو نادي.. صبي في الرابعة عشرة.. ينشطر جسمه الى جزأين لدى اصابته بقذيفة دبابة اسرائيلية في الشارع وهو عائد من المسجد الى منزل الاسرة. ـ يوسف زقوت.. ايضا صبي لم يكمل الخامسة عشرة.. طرحته مجنزرة اسرائيلية أرضا.. ثم زحفت فوق الجسد. يقول والده: انفصل قدماه عن باقي جسده.. ولم يعد له وجه. هذه أمثلة لما يجري بصورة يومية في المدن الفلسطينية نهارا وليلا وفجرا للمدنيين الفلسطينيين رجالا ونساء واطفالا على ايدي القوات الاسرائيلية بدباباتها ومجنزراتها وطائراتها. ومن لا يلقى حتفه داخل منزله او في الشارع يموت عند حاجز تفتيش عسكري. ولمدى ما يقارب الشهرين الآن لم تتوقف توغلات القوات الاسرائيلية داخل الاحياء السكنية في المدن كما في القرى، تمارس القتل العشوائي والاعتقالات بالجملة للأسر الفلسطينية.. ولا يبدو أن هناك نهاية على الافق القريب. اليس مثيرا للاشمئزاز اذن ان نسمع مسئولين ومعلقين عربا ـ بينهم قيادات فلسطينية ـ ينتقدون ويشجبون العمليات الاستشهادية الثأرية في المدن الاسرائيلية لأنها تصيب مدنيين اسرائيليين «ابرياء».. وبالتالي يدعون ـ ويلحون في الدعاء ـ الى وقف العمل الاستشهادي؟ نتفهم جيدا عندما تصدر مثل هذه الدعوة عن جورج بوش وارييل شارون وكولن باول ورعنان غيسين. فكلما تواترت العمليات الاستشهادية داخل اسرائيل كلما اتسعت دائرة الارتعاب في المجتمع اليهودي على المستوى الشعبي، ودائرة استشعار الخذلان والفشل على المستوى الحكومي، اذ يرى شارون ان وعده الانتخابي بتوفير الامن لشعبه بات موضع هزء وسخرية حتى بعد عملية «السور الوقائي». لكن كيف نتفهم صدور الدعوة الى وقف العمل الاستشهادي من اشخاص عرب من المفترض انهم مسلمون، الا ان تكون دعوة مريبة؟ اجل.. انها حقا دعوة محفوفة بالريبة. فلو افصح اصحابها عن ذوات انفسهم لقالوا: اننا لاسباب ما ضد المقاومة الوطنية الفلسطينية ونتمنى ان نغمض اعيننا ونفتحها لنرى ان الانتفاضة قد انقشعت تماما! وتفسير الريبة اوضح من الشمس. فالمتحدثون باسم بعض الانظمة العربية الحاكمة من بين اصحاب الدعوة المريبة انما يتجاوبون مع ضغوط بوش وربما لا تحتاج هذه الانظمة الى مثل هذه الضغوط. فاستمرار المقاومة الفلسطينية وتصاعدها يعني تأجيج الشارع العربي، مما يعني من منظور بعض اجهزة الحكم العربية مؤشرا خطيرا قد تتسع دائرته بالتداعي لتشمل قضية الديمقراطية والحريات ـ أو بالاحرى غيابهما ـ في الداخل. أما المعلقون فانهم من ذوي الانتماءات المختلفة الى هذه الانظمة الحاكمة.. ربطوا طموحاتهم الذاتية، وبالتالي مصائرهم بها. لقد كان من الممكن ان تلقى الدعوى الى وقف العمل الاستشهادي ضد الاسرائيليين قدرا من المصداقية لو ان اصحابها من المسئولين العرب اكدوا انهم يؤيدون مبدأ الكفاح المسلح وانهم في حالة موافقة فصائل المقاومة الفلسطينية على حصر عملياتها الهجومية في اهداف اسرائيلية ذات طابع عسكري.. على استعداد لامداد هذه الفصائل بما تحتاجه من سلاح. في مثل هذه الحالة قد تصغى الفصائل الى طلب بترشيد العمل الاستشهادي. ان فصائل المقاومة ليست جيشا نظاميا يمكن ان يوضع على مستوى مقارنة متعادلة مع جيش اسرائيلي يمتلك مئات الدبابات والطائرات وآلاف المروحيات ذات احدث انتاج تكنولوجي في المصانع الأميركية. وعلى اعتبار هذه الحقيقة الماثلة فان مطالبة المقاومة الفلسطينية بالتخلي عن «القنبلة البشرية»، لا يمكن بحال من الاحوال ان تكون مطالبة صادرة عن حسن نية. فالعمل الاستشهادي يبقى، بالاضافة الى فاعليته المثبتة عمليا، السلاح الماضي الأوحد لشعب تحت احتلال اجنبي.