رغم إدراك الجميع بخطورة الوضع الذي يمر به العرب في طور تاريخهم الراهن، فما من أحد فيما يبدو قادر على اجتراح معجزة الخروج من الأزمة. فالنخب الثقافية والسياسية تتخبط ما بين إذكاء نار العداء «الذي انتهت مدة صلاحيته» للولايات المتحدة، وبين التمسك بالموروثات القديمة، لغة وخطابا وعقلية. في حين تكتفي الحكومات العربية بإقامة ندوات الحوار العربي الغربي أو الإسلامي الغربي، وهي الندوات التي اعتبرها دائما الإجابة الأبعد عن الصواب من بين جميع الإجابات المطروحة للحل. أما الجامعة العربية فقد بدت جثة هامدة كما عهدناها دائما، لا يغير في ذلك تغيير أمينها العام. فالعلة كما يبدو مزمنة أو وراثية. سوء فهم عميق إن جزءاً من المشكلة العامة يتمثل في أن هناك سوء فهم عميق للتغيرات الكبيرة التي يمر بها العالم بعد الهجمات على أميركا. وأحد مظاهر سوء الفهم هذا أن معظم العرب تبنوا «ولا يزالون» بسهولة نادرة فكرة المؤامرة في أحداث سبتمبر، ثم تبنوا بسهولة أكبر فكرة أنهم مستهدفون لذاتهم، كعرب ومسلمين، وثالثا أنهم قرروا وضع أنفسهم في حالة المواجهة مع الولايات المتحدة وربما مع الغرب. ووفر هذا كله فرصة أكثر من نادرة للجماعات المأزومة في المنطقة العربية التي لا تحيا من دون اشغال نفسها والآخرين بالمعارك الدونكيشوتية، فالتقطت منذ البداية طرف الحبل وراحت تجره بما استطاعت من قوة حتى حولت المنطقة وساكنيها في نظر العالم إلى بؤرة لتشجيع التطرف والإرهاب وحيث تنتعش فلسفة الانتحار والقتل. لقد ظل كثيرون حتى يومنا هذا يرفضون التصديق بأن جماعة القاعدة هي التي نفذت الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن رغم الاعترافات التي أدلى بها عدد من قياديي هذه الجماعة ورغم أشرطة الفيديو التي بثتها قناة الجزيرة وغيرها، ولا يزال هؤلاء يتهمون جهات واطرافا كثيرة بتنفيذ هذه الهجمات. طبعا هؤلاء يرفضون تصديق الحقيقة لأنها تطيح بناطحات السحاب الوهمية التي بنوها في عقولهم حول المؤامرة ، وتمنوا لو تستمر وإن بقوة الخيال ورفض الواقع. كما ظل الكثيرون يدافعون عن نظام طالبان، حتى بعد زواله، ويتمنون عودته، ولم يتأثروا بمظاهر الفرح العارمة التي اجتاحت الأفغان لزوال هذا النظام وعودة الروح إلى أفغانستان وان بصعوبة. مظاهر أخرى لكن ليس هذا سوى أحد مظاهر سوء الفهم، وإن يكن أعمقها للتغييرات الحاصلة في العالم. من الواضح أن هناك تغافلاً تاماً عن ديناميكية التحالفات العالمية التي تشكلت وتتشكل اليوم باطراد، فضلا عن تبدل موازين القوى في العالم كله. فآثار الصراع الروسي الأميركي الموروث من الحرب الباردة يجري تبديدها بسرعة كبيرة. ومصطلح الإرهاب لم يعد يدور اليوم حوله جدل في التفسير أو التأويل على مستوى السياسة الدولية، بعد أن تبنت معظم الدول، بما في ذلك الأمم المتحدة التفسير الأمريكي له. كما أن الحركات الموصومة بالإرهاب، لا تلقى أي تعاطف أو تفهم في أي مكان. وبصورة ما فان العالم يبدو مكانا يتعذر فيه الاختباء اكثر فأكثر. فيما يتعلق بالمنطقة العربية خصوصا، يبدو أنها تعيش تراجعا في الاهتمام العالمي، فحجم المشاركة العربية في أي محفل دولي مهم آخذة في التضاؤل. وهناك أصوات متزايدة في الولايات المتحدة كما في العالم الغربي تحث على ضرورة الاستغناء وإيجاد البدائل لنفط الشرق الأوسط، ودعوات أخرى وإن تكن أقل حدة ووضوحا لتهميش العرب على الأصعدة الثقافية والاقتصادية والسياسية العالمية. يترافق ذلك مع تنامي حركات أقصى اليمين المعادية للهجرة في أوروبا. هذه التغيرات تواجه بسوء فهم من قبل الكثير من العرب والمسلمين، الذين يبدون منشغلين عنها، بقضايا ثانوية وهامشية إلى حد بعيد. ويظهر أحيانا أنهم يسيرون عكسها تماما. الحوار الإسلامي الغربي أعود إلى الحوار العربي الغربي أو الإسلامي الغربي، الذي بات موضة عربية متنقلة من عاصمة لأخرى. فأقول إن هذا الحوار هو الإجابة الخطأ عن السؤال الذي طرحته الهجمات على أميركا. فالمشكلة ليست في الحوار في حد ذاته. وينبغي أن لا نصدق التضليل الكبير أو الكذبة الكبرى التي أطلقت وصدقها الكثيرون من أن الغرب أو الغربيين لا يفهمون الإسلام وان ما يصلهم منه على أيدي الإعلام مشوه وممسوخ! وبالتالي فكل ما يحتاجون إليه هو التوضيح والتعريف والمزيد من التعريف! فإذا كان الأمر يتعلق بالمعرفة والكتب فهي متوافرة عن جميع الأديان وبكل اللغات، كما أن وسائل الإعلام الحديثة قادرة على الوصول إلى كم هائل من المعلومات عن كل شيء تقريبا. عدا أن الغربيين بالذات وبسبب اشتغال عدد كبير من المؤرخين و المختصين منهم بالدراسات الإسلامية والعربية طوال قرون فيما يعرف بالاستشراق فانهم يعرفون على الأقل جزءا لا بأس به عن الإسلام. لكن المشكلة ليست في الكتب وليس في معرفة ما تحتويه هذه الكتب من عدمه. المشكلة الحقيقية هي في الواقع المعاش، العنصر الجوهري الوحيد القابل للقياس والتجربة والمقارنة والحكم. هذا الواقع هو ما يهم الآخرين، وهو مصدر معرفتهم الموضوعية والمقبولة عنا. وهذا الواقع كما نعرف ويعرف العالم بائس إلى أقصى درجات البؤس. فهل يمكن لأي حوار أن يغير الواقع الذي يعيشه الكثير من العرب والمسلمين، بجرة قلم أو ببحث نظري يعده هذا أو ذاك؟ مهمة التفسير كيف يمكن لنا ، نشرح أو نفسر للعالم أن أكثر من مائة وخمسين ألف إنسان قتلوا إما ذبحا أو بالرصاص في الجزائر، دون أن تهتز شعرة واحدة في بدن عربي أو مسلم، بل أن هناك من يؤيد هذه الأعمال إما بالسكوت أو التبرير لمجرد أن من يقوم بها إسلاميون «وهو المعادل الموضوعي لمن دأبوا على اتهام الجيش والنظام بارتكاب المجازر»؟ وكيف يمكن تبرير أو شرح أعمال الإرهاب والقتل التي نفذتها الجماعات الإسلامية في العديد من الدول العربية، طوال عقد الثمانينيات والتسعينيات، فضلا عن مطاردة الكتاب والمثقفين والفنانين وتكفيرهم والدعوة إلى قتلهم؟ وكيف يمكن شرح أن حصيلة ضحايا القمع والدكتاتورية والحروب الأهلية في المنطقة العربية طوال عقدين من الزمان تقدر بالملايين ولا يزال الحبل على الجرار ، إضافة إلى شيوع الاضطهاد والاستبداد السياسي والاجتماعي والثقافي والديني الذي يميز منطقتنا، بما في ذلك مصادرة الحريات وانتشار التعذيب وقمع المعارضين، مشمولا بالتخلف واضطهاد المرأة والأقليات. هذا هو واقع العرب والمسلمين اليوم، فهل يحتاج الغربي إلى قدرات خارقة كي يدرك هذا الواقع؟ وهل يحتاج كي يعرفه إلى أن يقرأ الكتب الإسلامية أو يستمع إلى خطب رجال الدين الأفاضل؟ وإذا كان الأمر هو كذلك، فما قيمة ندوات الحوار وهي كلها مجرد كلام وفذلكات تتحدث عن عالم آخر غير الذي نعيش، ندوات لا تصل إلى أي درجة مقبولة من الصدق بما في ذلك مجرد الاعتراف بالواقع المر للعرب والمسلمين، وإنما تركز جل همها على خداع أو ما تتصور واهمة، أنها تخدع به الغربيين وغير الغربيين؟ إنني اقترح على هؤلاء بدلا من ذلك أن يكرسوا جهودهم ووقتهم وأموالهم لإصلاح الأوضاع الداخلية، و بما يسمح برفعها إلى المستويات المقبولة عالميا، فهذا وحده الكفيل بتغيير صورة العرب والمسلمين لدى العالم وليس الغربيين فحسب. فحين يتغير الأصل تتغير الصورة تبعا له وليس كما يحاول البعض عبثا أن يفعل عكس ذلك. ـ كاتب من البحرين