اليكم هذه الحكاية أولاً: في أحد فصول تعلم اللغة الانجليزية لغير الناطقين بها في بريطانيا، وقفت فتاة يهودية لتقدم موضوعاً معيناً ، تفضله لبقية طلاب الفصل مستعينة ببعض الوسائل كالصور والاحصائيات وغيرها، وقد بدأت الطالبة موضوعها بأن طلبت من زملائها في الفصل أن يغمضوا عيونهم لمدة دقيقة وان ينصتوا إليها بقلوبهم ومشاعرهم، وصارت تقص عليهم وهم مغمضو الاعين حكاية تحدث كل يوم ـ حسب قولها ـ وتنتهي بنفس النهاية المأساوية، هذه المقدمة جعلت انفاس الطلاب تتلاحق لأنهم يريدون ان يعرفوا اصل الحكاية!! وأصل الحكاية كما صارت ترويها الفتاة «الاسرائيلية» في ظرف دقيقة أو دقيقتين ان مجموعة من الشباب والصبايا يمشون مرحين يتضاحكون في طريقهم للقاء اصدقائهم أو لمواعيد غرام يحلمون بها منذ أيام.. وهناك عائلة تصطحب ابناءها للنزهة ووالد يتسوق مع اولاده وام مع اطفالها و.. وفجأة يدوي انفجار في السوق أو في محل البيتزا أو المقهى ليودي بحياة كل هؤلاء الابرياء وليغتال افراحهم وحياتهم ومستقبلهم لا فرق بين كبير وشاب وطفل.. تقول «تخيلوا هذا ما يحدث لنا يومياً نحن «الاسرائيليين» على يد الارهابيين الفلسطينيين»!! ثم تواصل عازفة على نفس الوتر العاطفي الانساني المتأسس على جهل المتلقين بكل الحكاية الحقيقية التي تحدث في فلسطين، تواصل عارضة مجموعة من الصور للانفجارات التي نفذها الاستشهاديون مفصلة الصور بكثير من الدقة امام الأعين المفتوحة والمتألمة على هؤلاء الشباب والصبايا الذين لم يهنأوا بمواعيدهم الغرامية، وجولات التسوق مع والديهم واصدقائهم. ومن ثم تعرض صوراً لاطفال قتلوا في الانفجارات، ولعجائز ولفتيات صغيرات و... ممعنة في اسلوبها اليهودي الدعائي المعروف فتقول: ماذا سنفعل نحن اليهود ازاء هؤلاء الارهابيين، نحن اناس نريد السلام، ولا نريد ان نرى قتلى من الجانبين، لكن الفلسطينيين مصرون، ـ لاحظوا «مصرون» هذه ـ على ان فلسطين هي ملكهم، وهم يريدونها كلها، مع ان الانجيل والعهد القديم ـ وهما أقدم من القرآن كما تقول ـ يوضحان بأن ارض فلسطين كلها لابناء إبراهيم من ابنه اسحاق، فإذن لاحق لهم في هذه الأرض ـ هكذا لقنوها وعلموها طبعا ـ والأمر الاهم ـ كما قالت ـ «اننا نحن اليهود لا ارض لنا ولا بلاد غير فلسطين، اما الشعوب الاخرى فلهم اكثر من ارض وبلاد تجمعهم، فالاوروبي يستطيع ان يعتبر كل اوروبا بلاده، والفلسطينيون لهم كل العالم العربي والاسلامي.. فلماذا يصرون على الارض التي هي ملكنا منذ الازل؟! واختتمت مناقشتها امام صمت الجميع قائلة: «نحن اليهود نريد السلام للجميع، وهذه بلادنا والحقيقة كما تعلمونها وتتابعونها عبر وسائل الاعلام، وان كانت هذه الوسائل تقف ضدنا احياناً وإلى جانب الفلسطينيين غالباً وهذا أمر مؤسف !!» وانهت مناقشتها بأن ثبتت «اكاذيبها» على لوحة الملصقات في الفصل لتتيح للطلاب الاطلاع على الصور والكتابات والاحصائيات. ما يجب ان نسجله هنا: ان هذه «الاسرائيلية» نفذت طريقة الدعاية اليهودية المعروفة لكسب الرأي العام لصالح قضيتها مستخدمة كل الوسائل لتقلب الامور رأساً على عقب مستغلة ـ عن علم ـ ان شعوب اميركا الجنوبية وشرق آسيا ـ حيث يأتي معظم الطلاب لدراسة اللغة الانجليزية ـ لا يعلمون شيئاً مما يحدث في العالم، فهم اجهل من الجهل في قضايا السياسة، وازمة الشرق الاوسط فهم لا يعلمون أبعد من ما بين اقدامهم ولهم ظروفهم واعذارهم.. ولكننا نحن العرب اصحاب القضية لاعذر لنا ابداً!! كل طالب وطالبة «اسرائيلي» يقدم نفس المناقشة، ويجادل على نفس الاساس، وما من طالب عربي يملك طلاقة اللغة الانجليزية والحرص والحماس للدفاع عن القضية بنفس الطريقة.. ذلك اننا لا نجهز طلابنا ليدافعوا عن قضاياهم، ويعرضوها ويفندوا الحجج بنفس القوة.. وهنا يفيد للمرة المليون قولنا حول دور الحكومات العربية والاعلام العربي في ايصال صوتنا صحيحاً، وصورتنا صحيحة وقضيتنا صحيحة الى شعوب العالم اجمع، وبأن نناقشهم بمنطقهم وبعقلانيتهم لا بعصبيتنا وصراخنا.. نقول للمرة المليون متى سيصحو الاعلام العربي فنحن نخسر كل يوم على ارضية الرأي العام والعدو يكسب كل يوم.