كل الذين يحارون اليوم في احوال اهل الثقافة عندنا محقون في حيرتهم، بل اذا كان لا يزال هناك اناس يلحون في السؤال ويظل يجرحهم واقع الثقافة والمثقفين اليوم، اكثر من غيرهم، فربما يكون هذا الموقف هو النافذة الوحيدة المطلة على امل، والفاتحة على رحابة، تفك ما بالصدر من غلق وضيق، وتنحر اشجار الاكتئاب سريعة الانتشار والاثمار. فالحال واقع وخطورته تدق الباب بجذع نخلة ميتة كلما قلبنا مسائل الثقافة محليا على اجنابها الاربعة. فمن يسأل اليوم عن غياب حالة البدايات القوية في مطلع التسعينيات وذلك النشاط وتلك الافكار الجبارة، والسخونة التي كادت تحرق الورق، وعرق العمل الذي كان يبردها، عليه ان يفسر جملة حالات ليصل الى منتهى الغرابة. وعليه ان يجيب السؤال بأسئلة ويلح عليها كثيرا. لماذا لم تستمر الحالة وهي التي كانت تراكم انجازاتها وفتوحاتها بسرعة البرق؟ واين هم اولئك الفوارس الذين دبت سنابك خيولهم على هضابها وروابيها؟ ولماذا اجمعوا جميعا على الرحيل المفاجيء والهجر المريع وغابوا جملة وتفصيلا عن اعلام الثقافة وثقافة الاعلام؟. اسئلة والرجع لا يأتي الا بمثيلاتها، والحيرة اكبر من القول ان ثقافة الاستهلاك ابتلعت الثقافة الجادة والخطرة. لكن وعلى امل ان في هذه الحكاية شيء يشبه الاجابة نحكي حكاية لماذا تستعد اليوم مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية لافتتاح مقرها الجديد والذي سيكون واحة كما يتوقع يفلح فيها المثقفون الباقون على قيد الحياة عندنا ممن هجر وممن هم في الاجواء يومياتهم في ربوعها في شارع الرقة، الشارع الجميل، شارع الافراح والمهرجانات والمارة الملونين بأشكال من الثقافات المتعددة، الثرية، شارع الاشجار والشاورما الساخنة؟ .. لماذا تم اختيار ذلك المكان؟ ولماذا دفع المرحوم العويس الكثير من الملايين من اجل قطعة الارض الذهبية تلك على ذلك الشارع المزدحم بالعقول؟. تقول الحكاية ان جماعة مجلس امانة المؤسسة حينما ارادوا تشييد المقر ذهبوا الى صحراء منطقة القصيص هربا من ضجيج الشوارع، وبحثا عن هدوء الكاتب والمبدع وفنجان القهوة امام المدى الشاسع، وحينما اختاروا ذهب المرحوم العويس ليستطلع البراحة الفسيحة فقال بالحرف الواحد رحمه الله: لماذا هنا؟ انتم في وسط المدينة لا يأتي احد لامسياتكم ومحاضراتكم وتعانون من الهجر وقطع الوصال وتشكون من ضحالة الثقافة بؤسها .. قومي معي. وتقول الحكاية ان اعضاء مجلس الامناء تفاجأوا حينما شاهدوا المرحوم يقطع شارع الرقة بحثا عن قطعة ارض على رصيفه وحينما وجدها قال هنا .. الثقافة حياتها في وسط الناس، هنا سيذهب المارة ويجيئون امام بوابتكم ويوما سوف يغرى احدهم بالدخول وهكذا تفعل عادة التكرار فعلها. اليوم ينهض برج مؤسسة العويس الثقافية في شارع الرقة بين فنادق السياحة والمحال التجارية والمطاعم الفاخرة ومحلات الازياء والموضة والايسكريم، ويتوقع في نهاية العام الحالي ان يشهد الشارع افتتاح هذا المقر الذي سيحوي العديد من قاعات المطالعة ومقهى للمثقفين مزودا بتقنية الانترنت، وقاعات اخرى للمؤتمرات وغرفاً للبحوث والدراسات .. هناك في وسط المدينة بين الناس وللناس وكافة الناس. للبحث في غياب فوارس الثقافة في الواقع الاعلامي او العكس لن تجابه سؤاله اجابة، فهم كثر ولم يغيبوا عن الحياة، هم بيننا لكنهم لا يعيشونها وسط الناس والاحياء والشوارع .. لماذا؟ هذا ما تصعب الاجابة عليه هنا على الاقل؟