الزمان: أوائل عام 1992. المكان: إحدى الإدارات التابعة لهيئة المعونة الأميركية بالقاهرة في بناية شاهقة جيدة التحصين تقف على كورنيش النيل، بالقرب من مبنى السفارة البريطانية. كان يوم العمل الطويل قد قارب على الانتهاء. فجأة ودون مقدمات ارتج المبنى من وقع صافرات الانذار الزاعقة العنيفة. حالة من الهرج والمرج عمت المبنى بأكمله. لم يفكر أحد آنذاك في ابن لادن فلم يكن حضوره قويا ثقيلا. يقفز إلى الذهن فورا كما في أيامنا هذه مادام الأمر يتعلق بالأميركيين. اندفع الجميع وفي مقدمتهم كبير مسئولي الأمن بالمبنى وفي صحبته نفر من ذوي الوجوه الأكثر تجهما إلى مكتب كنت أحد شخصين فيه، الشخص الآخر أو بالأحرى الأخرى كانت زميلة تشاركني نفس المكتب. تلبستني أنا وهي حالة من الذعر الشديد. أهي قنبلة اكتشفوا فجأة أنها موجودة بهذا المكتب الهادئ؟! ليس الأمر كذلك بالتأكيد، فأعين الجميع كانت موجهة إلينا بنظرات كالسهام السامة. كانت هذه هي ذروة المشهد الدرامي الذي يستلزم سرد حكاية قصيرة على طريقة الـ «فلاش باك». بدأت القصة القصيرة قبل نقطة الذروة بدقائق معدودة. كنت خلالها مستمعا بانصات ومتهكما بكلمات كالسياط تجاه ما سردته علي زميلتي ابنة المجتمع المخملي القاهري. أخذت تحاول إقناعي بأنها ممسوسة من الجن. وقالت أنها ذهبت إلى كل من سمعت عنه من رجال دين وحتى مشعوذين سعيا وراء وسيلة تخلصها من آثار هذا المس. كانت وهي التي تحمل درجة علمية رفيعة وعاشت سنوات عدة في الولايات المتحدة على استعداد لأن تذهب إلى أية بلدة نائية لعلها تجد من يمسح عنها هذه الآثار.. تلك الآثار التي قلبت حياتها رأسا على عقب، وجعلتها سريعة الغضب تثور لأي تافه، لم لا وهي على قناعة بأن هذه المخلوقات النارية التي ترافقها قد نفثت فيها بعضا من حممها. مطالب عجيبة لبتها وأموال كثيرة أنفقتها بحثا عن مخرج. أحجبة كثيرة حملتها وأخرى شربت مياهها مرة كالعلقم أما البعض الآخر فطلب منها أحدهم أن تذيبه في ماء كثير ثم تغتسل بالماء على أن تحمل ماء الاغتسال وتسكبه في نهر النيل.. المجرى الرئيسي وليس أحد فروعه. ليس هذا فحسب بل لابد أن تنتهي من ذلك قبل أن يجف شعرها. ضحكت كثيرا لما سمعت منها. تندرت وقلت: ألم يطلبوا منك اصطياد هدهد يتيم أو قطف وردة سوداء أو الإمساك بنملة عرجاء. ثم غيرت دفة الحديث لتصبح أكثر جدية وأخذت أحدثها عن الآثام التي تحصدها بالاستعانة بالمشعوذين وبعد عدة محاولات نجحت في أن أقنعها بأن تخرج حجابا كانت أخبرتني أنها تحتفظ به معها. أعطتني إياه. كان عبارة عن ورقة صغيرة تحمل كتابة غير مفهومة مطوية عدة طيات. قررت أن أفتح الحجاب لكنني ودون أي مقدمات داهمتني حالة من الخوف . فتراجعت وقررت أن أحرقه في التو والحال. طلبت منها عود ثقاب فقد كانت تدخن بشراهة خلال تلك الفترة، بل وكانت الغرفة معبأة بدخان السجائر التي أشعلتها. أحرقت الورقة الصغيرة في مطفأة السجائر، محاولا إدعاء الشجاعة بينما كان ذهني يموج بقصص العفاريت التي سمعت عنها في بلدتي الكثير ، خاصة وأنه كانت تقف إلى جوار بيت العائلة شجرة جميز. وهناك تلاصق غريب بين هذه الشجرة -التي تشبه إلى حد كبير الساحرة الشريرة العجوز ذات الشعر المنكوش- والعفاريت. تقافزت هذه الأفكار في رأسي وأنا أحرق الحجاب. انتهت المهمة وعدت بعدها مدعيا الهدوء إلى مكتبي. لكن ماكدت أستقر في المقعد حتى انطلقت صفارات الانذار التي ارتج معها المبنى بأكمله وارتعدت لها كل فصائلي. تساءلت: يبدو أن العفاريت تحركت انتقاما، فالورقة جد صغيرة والدخان المتصاعد لا يقارن بأى حال من الأحوال مع دخان السيجارة.انتهت المسألة على خير بعد أن أقنعت زميلتي مسئول أمن المبنى أن الأمر لايعدو كونه قصاصة ورق احترقت وماتبقى منها يدل على ضآلة حجمها. تفرق الجمع وذهب كل إلى حال سبيله. انتهى يوم العمل بعدها بقليل لكن القصة لم تنته معي فقد قررت أن انكب على القراءة لعلي أعرف عن هذا العلم وأسراره مايروي ظمئي. اندفعت في هذا الاتجاه بغير هدى حتى كانت تلك الليلة... فيها التقطت أحد الكتب التي جمعتها وانهمكت في القراءة حتى أعياني الإرهاق، فأغمضت عيني برهة.لم تأخذني سنة من النوم..هذا أكيد، لكنني عندما حاولت أن أعيد فتح عيني لم أستطع. ليس هذا فحسب إذ بدأ جسدي كله ينتفض. قفز مؤشر درجة حرارة الجسم وأخذت أتصبب عرقا. حاولت كل جهدي أن أخرج من هذه الحالة لكن الشلل أصاب كل أعضائي حتى اللسان، فقد جاهدت كي أردد آيات كنت أقرؤها في الكتاب الذي كنت أمسك بدفتيه منذ ثوان لكن اللسان تيبس. لا أدري كيف خرجت من هذا النفق المظلم لكنني قررت في أعقاب هذه الرحلة القصيرة داخله أن ابتعد عن هذا الموضوع برمته ولا أحاول الاقتراب منه ثانية - حتى وإن لاحقتني آثاره بعض الوقت- مهما كانت المغريات!.