استوقفتنا نحن أهل المهنة تلك الأزمة الصحفية التي تمر بها صحيفة أسبوعية مصرية نشرت في عددها الأخير صوراً مأساوية نصف عارية لجثمان الرئيس المصري الراحل أنور السادات، تم التقاطها بعد ساعات من اغتياله قبيل تشريح الجثمان وتبدو على جثمانه آثار الاعتداء. والاتهام الذي وجهه رئيس مجلس الشورى المصري رئيس المجلس الأعلى للصحافة إلى الصحيفة التي يرأس مجلس ادارتها عضو في مجلس الشورى المصري يستند الى ما قامت به الصحيفة من انتهاك لحرمة الرئيس الراحل ومخالفة كافة الأعراف بنشر صورته عاريا لحظة اغتياله في الحادثة الشهيرة بحادثة المنصة. ومما لايختلف عليه اثنان إن النشر وفيه الكثير من الانتهاك ليس لحرمة القتيل بصفته رئيساً راحلا فحسب، بل فيه أيضا انتهاك مجرم لحرمة الميت التي يحرص المسلمون وغيرهم على صون الجثمان، فمتى ما توفي أحدهم في الطريق إثر حادث أو غير ذلك يسارعون الى تغطية الجثمان بما يتوفر لديهم لحظتها من ورق او غيره، بل حتى اثناء عملية الغُسل التي تسبق الكفن والدفن يكون هناك ساتر بين الجثمان والمغسلين. والحقيقة إن الصورة التي يبدو إن الصحيفة ارادت من وراء نشرها تحقيق السبق بصفتها صورة نادرة لم يسبق نشرها على كثرة ما كتب ونشر عن الرئيس المصري الراحل وعن حادث الاغتيال الذي أودى بحياته قبل حوالي واحد وعشرين عاماً، إلا اننا لا نرى أي سبق صحفي أو حتى غير صحفي في نشر صورة رجل ميت ـ بغض النظر عن شخصه ووصفه ـ تملأ الرصاصات جثمانه، لا حول له ولا قوة ولا يملك منع الآخرين من التقاط صور له وهو في هذا الوضع فحسب بل حتى ليس في وسعه ستر جثمانه على الأقل. ووفقا لما سردناه فإن النشر يعد ـ مع الأسف ـ عملا يخرق كل القوانين ويعصف بالقيم والمباديء ويثير في النفوس الاشمئزاز من هذا العمل كما انه يدفع ـ وعلى عكس ما قدرت الصحيفة ـ الى التعاطف مع اسرة السادات التي بلا شك تأذت وتجددت آلام جرح لم يلتئم. نقول هذا في أعقاب انتهاكات وتجاوزات أخرى تشهدها صحف ومجلات عربية وأجنبية لاتقيم للحريات أي وزن ولا تراعي مطلقا حرمات الناس عندما تطيح كثيرا بالمباديء والقيم. وهذا يكشف سبب تمسك البعض، بان إقالة رئيس تحرير الصحيفة المعنية ليست كافية لرد الاعتبار لرجل يعد رمزا من رموز العمل الوطني في مصر، فالامر لا يعني أسرة الرئيس الراحل وحدها بل جميع مؤسسات الدولة معنية بالعمل على وقف هذه الاساءة ومعاقبة من بالغ في مخالفة قيم الصحافة وأقدم على هذا العمل الأخرق، فكما للكلمة آداب وأصول ينبغي ان يراعيها كاتبها، فإن للصورة أيضا آدابا وأخلاقيات يجب الا يتجاوزها ناشرها والصورة ـ كما تعلمون ـ أكثر تأثيرا وقدرة على التعبير .. وهنا مربط الفرس الذي نود التأكيد عليه. السؤال هو هل ستحمل الأيام المقبلة نهجا جديدا تنتهجه بعض الصحف ام ان ما يثار هناك ليس اكثر من زوبعة أو سحابة صيف لا تلبث ان تنقشع؟ أي مخلص للمهنة يتمنى أن يكون ماحدث مجرد سوء تقدير مهني. فنتمنى ألا تتكرر في أي موقع عربي حفاظا على الرموز حتى لو اختلفنا معها في الرأي والنهج.