السياسة هي في حقيقتها مواءمة واختيار بين بدائل، وكل صانع قرار يكون أمام لحظة اختيار يوائم بين اعتبارات عديدة لا يكون من بينها عادة الحفاظ على مقومات الوجود، فكل ما يتصل بها لا يكون موضع اختيار، أو لا يجوز أن يكون. وما يختاره صانع القرار لا يكون نتيجة عوامل آنية وحسب، فهو مسئول قبل أن تحل لحظة الاختيار عن أن يوفر لأمته سلة من البدائل حتى لا تشعر في لحظة ما أن «ظهرها للحائط» كما يقول التعبير الشهير. وإذا أصبحت مقومات وجود الأمة موضع اختيار فإن معنى ذلك أن مسارا طويلا من الأخطاء المتوالية ارتكب حتى تم القضاء على مساحة حرية الحركة والاختيار معا. نعبر الجسر أم نحرقه؟ لكن من يتأمل واقع السياسة العربية يجد أن السؤال المطروح في أكثر من موضع من الخارطة العربية هو سؤال يمس مقومات الوجود، تجد ذلك في السودان المهدد بالتمزق، والعراق المهدد بأخطار متنوعة، والصومال الذي يقف على حافة الزوال بشرا بعد أن زال دولة. ويعبر أحد علماء السياسة الأمريكيين عن مضمون السياسة بعبارة موجزة يقول فيها «السياسة أن تعرف أي الجسور تعبر وأيها تحرق»، وما من أمة - مهما بلغت من قوة ـ تستطيع أن تحقق كل مصالحها. فكل أمة تكاد أن تكون دائما أمام اختيار بين ما يمكن إرجاؤه إذا زادت كلفته عن حد معين وما يجب إنفاذه أيا كانت نتائجه. وما تشهده الساحة السياسية العربية منذ انعقاد مؤتمر مدريد (1992) يستحق الأمل من هذه الزاوية، فمنذ أن بدأ السادات مسيرة التسوية المنفردة مع الكيان الصهيوني والنظام الرسمي العربي يرفض هذا الخيار، والآن بعد أكثر من عشرين عاما تبنت القمة العربية مشروعا عربيا للتسوية. وبعد أن كان قبول الرئيس المصري جمال عبد الناصر «مبادرة روجرز» سببا في اتهامه بالخيانة من أطراف عربية في مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية أصبحت المنظمة نفسها تسابق الأطراف العربية الأخرى في تقديم التنازلات تلو التنازلات في مسيرة لم تنقطع منذ توقيع «اتفاقية أوسلو». وليس الغرض من مثل هذا السرد التاريخي أي نوع مما يسمى «إعادة الاعتبار للسادات» فالتسوية جسر عبره العرب جميعا وهم على قناعة تامة بأنه أجدر بأن يحرق! وهذا مربط الفرس. التوازن المختل فتوقيع اتفاق تسوية بين أي طرف عربي وبين الكيان الصهيوني ترجمة لتوازن قوى شامل بين الطرفين «عسكري اقتصادي سياسي تقني» ولحظة التوقيع ليست إلا اعترافا بهذا التوازن الذي صنعته سياسات وممارسات واختيارات عبرنا فيها جسورا كان أن نحرقها وأحرقنا أخرى كنا في أمس الحاجة إلى أن نعبرها، فنحن نجزع لمرارة «الثمرة الخطأ» لكننا لا ننزعج ـ أو لا ننزعج بالقدر الكافي ـ ونحن نرى شجرتها تنمو وتستطيل ويشتد عودها. ومن مقتضيات الإنصاف أن نقرر أن الاختبار الذي وضع فيه النظام الرسمي العربي بقيام الكيان الصهيوني كان اختبارا يبلغ درجة من الضخامة والتركيب لم يدركها في البداية كثيرون. وأن الأزمة في بدايتها لم تنجم عن اختلال في درجة التشدد أو الاعتدال في القرار السياسي بقدر ما كانت نتيجة عجز عن الوعي الذي يتصف بالإحاطة والشمول بالمشروع وتداعياته، كما أنه كان اختبارا قاسيا لمجتمعات ذات تنظيم أقرب إلى البدائية وجدت نفسها فجأة أمام الآلة العسكرية الغربية ترتدي «قفازا يهوديا». كما أن درجة مركزية المشروع الصهيوني في الوجدان والعقل الغربيين كانت تتكشف لنا نحن العرب صانعي قرار ومثقفين على السواء بالتدريج، ويكفي أن نذكر على سبيل المثال أن شخصا مثل المصلح الإسلامي الكبير الشيخ رشيد رضا، وهو من هو تدينا ووطنية، اتصل، في مرحلة مبكرة جدا من المشروع الصهيوني، بقيادات صهيونية ودعاهم إلى نبذ فكرة «الدولة الصهيونية» والعيش في فلسطين مع سكانها العرب. من يواجه من؟ وعلى المستوى الدولي، كان تضمين وعد بلفور ميثاق «عصبة الأمم» يعني إقرارا من «المجتمع الدولي» بحق الصهاينة في إقامة وطن قومي في فلسطين، وهو أمر لم نتوقف عنده إلا مؤخرا وهو أمر ورثته الأمم. ويكفي أن نشير إلى بعد واحد من أبعاد التحدي الذي مثله وجود الكيان الصهيوني، هو أن هذا الكيان الصغير مساحة وسكانا الحقير حسب تعبير أفلت من دبلوماسي فرنسي وأشعل معركة كلامية متوقعة، هذا الكيان تبلغ قيمة ما تلقاه من الدول الغربية من «المساعدات المعروفة» والإحصاء يشمل المساعدات الرسمية التي قدمتها الدول وحسب 450 مليار دولار. فإذا أضفنا إلى ذلك مساعدات أخرى منظورة وغير منظورة وثالثة تختلف نوعيا أدركنا إلى أي حد كان النظام الرسمي العربي في مواجهة الغرب الذي كان قد خرج لتوه مزهوا من الحرب العالمية الثانية، فهل كان إدراكنا للصراع على هذا النحو من البداية؟ والمشكلة أننا عندما أدركنا الصراع على نحو أشمل كانت فرص كثيرة قد ضاعت وأوضاع كثيرة قد استقرت وقضايا كثيرة قد تداخلت حتى أصبح من الصعب الفصل بين مسار الصراع وبين ما يحدث في عواصم عربية عديدة. ولم تقتصر صلة هذه العواصم بالشأن الفلسطيني على قدرتها على التأثير في القرار الفلسطيني، بل امتدت لتشمل انتقال أمراض سياسية منها للمؤسسات الفلسطينية، أو على الأقل حال وجودها في هذه العواصم دون أن تمنع ظهورها في السلطة الوطنية التي نشأت برعاية عربية وكانت امتدادا لكيان آخر نشأ ونما عربيا. نظرية «الفساد البناء» فهل كان وجود الفساد في الواقع العربي مبررا للتساهل مع فساد السلطة ؟ وربما يكون ضروريا أن نتساءل الآن : لماذا لم تربط أية عاصمة عربية علاقتها بعرفات ودعمها إياه بموضوع «الشفافية» داخل المنظمة أولا ثم السلطة الوطنية؟ وربما كان من المضحكات المبكيات أن أحد المثقفين المصريين المرموقين كان يرى أن فساد السلطة الفلسطينية «فساد بناء» ، فلم يكن الفساد الذي يتحدث الكيان الصهيوني عن استشرائه في السلطة مفاجأة لأحد، ويعلم ذلك كل من له أدنى دراية بالأوضاع داخل الأرض المحتلة، بل كان منذ سنوات موضوع تقارير صحفية ورسمية عديدة تداولتها أجهزة الإعلام العربية وغير العربية. والمفارقة فيما يحدث أن الفساد «مشكلة عربية» بجدارة صحيح أنه يتفاوت من مكان لآخر لكنه منتشر بشكل كبير نسبيا، وكثير من المتعاطفين مع القضية الفلسطينية كانوا يرون أن وجوده في المجتمعات العربية مشكلة أما وجوده في صفوف حركة تحرر وطني فهو كارثة. وعندما حوصر عرفات في مقره في رام الله كان كثير من المثقفين العرب يرون أنهم «مضطرون» للتضامن معه، بعضهم لم ينس خطيئة أوسلو وبعضهم لم يتجاهل فساد السلطة الوطنية، لكنهم كانوا مضطرين للتضامن معه باعتبار أنهم بين خيارين أحلاهما مر: فهل أصبح الاختيار بين المر والأكثر مرارة سمة بنيوية من سمات السياسة العربية؟ ـ كاتب مصري