كان صيف الحكم الإداري الذاتي المحدود في فلسطين لسنة 1997 ساخنا، على نحو غير مسبوق، إذا بدأ بتقرير للهيئة العامة للرقابة في السلطة، سلط الأضواء على ما اعتبره مظاهر الفساد في الوزارات المختلفة. قامت الدنيا ولم تقعد، وإهتزت رئاسة الحكم الذاتي، ما جعلها تسارع إلى تشكيل لجنة لتقصي الفساد، برئاسة رئيس ديوان الرئاسة، الطيب عبد الرحيم، لكن اللجنة رصدت مظاهر تزيد عن تلك التي رصدتها هيئة الرقابة.. ما دفع المجلس التشريعي إلى تشكيل لجنة أخرى لملاحقة الفساد، الذي تكشف للجنة الأخيرة على نحو كارثي، ما دفعها إلى رفع تقرير تفصيلي إلى المجلس التشريعي، الذي أصرّ على الرئيس عرفات ضرورة إقالة الوزارة، وتشكيل غيرها، ما دامت قد أدينت بكاملها - عدا وزيرين- بالتورط في الفساد وأعطى المجلس لعرفات شهرا واحدا لإجراء هذا التغيير الوزاري الضروري لكن عرفات لم يعر ذلك اهتماما ما دفع الرمز الوطني المعروف د. حيدر عبد الشافي إلى تقديم استقالته على إستمرار قيادة السلطة في تهميش المجلس التشريعي، وذلك بعد مرور شهرين على مطالبة المجلس التشريعي لعرفات بإقالة الوزراء. بعد سنتين أجرى عرفات تعديلا وزاريا، أخرج فيه الوزيرين اللذين برأتهما التقارير الثلاثة من أي شبهة فساد، وهما عبد الجواد صالح (الزراعة)، وحنان عشراوي (التعليم العالي)! وخرج المبررون وعلى رأسهم أحد الوزراء الجدد، نبيل عمرو (شئون المجلس التشريعي)، ليسوق الذرائع ويختلق المبررات ويجمل ما فعله عرفات. لعل من المفارقة أن عمرو هذا هو أول من طالب بإجراء إصلاحات في أول إجتماع وزاري برئاسة عرفات، بعد أن أفرجت عنه قوات الاحتلال، أواخر أبريل الماضي، وحين طلب عرفات إلى عمرو ترؤس لجنة لدراسة مسألة الإصلاح السياسي، اعتذر الأخير عن قبول هذا الموقع، مؤكدا لعرفات بأنه سبق أن ترأس عشرين لجنة، ضربت قيادة السلطة بتوصياتها عرض الحائط، وأردف عمرو بأنه لا يشرفه ترؤس مثل هكذا لجنة، بل أنه سارع إلى تقديم استقالة شفهية في الوزارة، وتبعه كل من عزام الأحمد (الأشغال)، حكمت زيد (الزراعة) وماهر المصري التجارة. أي إصلاح ؟! غنى عن القول بأن الإصلاح الذي تطالب به القوى الوطنية الفلسطينية، يختلف ـ تماما، عما تلح على إجرائه كل من إسرائيل والإدارة الأميركية فالأول يتم لحساب القضية الوطنية، بينما الإصلاح الأميركي - الإسرائيلي يتم على حساب هذه القضية، ولحساب عدوها الأميركي - الإسرائيلي وما مطالبة الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية إلا قضية حق يراد بها باطل. في هذا الصدد ثمة سؤال له ما يبرره: فهل جاءت المذابح التي نظمها الجيش الإسرائيلي للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة على مدى تسعة عشر شهرا من عمر (إنتفاضة الأقصى والاستقلال) عموما، وفي هجمة 29 مارس على وجه الخصوص، من أجل تحضير مسرح العمليات للإصلاح السياسي ؟ أم أن الإدارة الأميركية وحكومة إسرائيل تريدان سلطة على مقاسهما، بعد المقاس المراوغ للسلطة الحالية. وثانيا، أي إصلاح سياسي يمكن أن يتم تحت سنابك جنود الإحتلال الإسرائيلي ؟ وهل يتوهم أحد بأنه مثل هذا الإصلاح يمكن أن تشوبه شائبة وطنية؟ لماذا لم يستجب ؟!هنا من حقنا أن نتساءل: لماذا تجاهل رئيس السلطة دعوات الإصلاح السياسي الوطنية، على مدى ثماني سنوات، هي عمر الحكم الذاتي، فيما استجاب للمطالب الأميركية والإسرائيلية ومن دار في فلكهما من مبرري فساد زمان معنى ذلك الرضوخ لأعداء الأمة، وادارة الظهر لأبناء الشعب ؟ من يتولى الإصلاح ؟! هل من ولغ في الفساد، والتعامل مع العدو مؤهل لإجراء الإصلاح السياسي ؟ وهل من رعى الفساد، على مدى ثماني سنوات، ومن قبلها على مدى عقدين ونصف، يصلح لإجراء مثل هذا الإصلاح ؟! بإختصار شديد، القيادة الفلسطينية الجديدة ستكون من اختيار الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية دون غيرهما، فهما المحددان الرئيسيان لملامح القيادة الجديدة، وما عدا ذلك يندرج تحت بند الأماني، ليس إلا. الرد مع ذلك ثمة راد لإرادة عدونا الأميركي ـ الإسرائيلي، يتمثل في وحدة قوانا السياسية، عبر جبهة وطنية، تتسع لكل القوى المعادية للإمبريالية الأميركية، والصهيونية وكيانها، تستند إلى برنامج وطني، وتفرز قيادة جماعية إئتلافية، تبدأ بتنظيف مناطق الحكم الذاتي من الفاسدين والمتعاملين مع العدو، على أنه لا مستقبل لأي كفاح وطني فلسطيني، لا يستند إلى عمقه العربي، وبعده الإسلامي. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة