أظن ان ملامح الصورة اتضحت الآن اعني قصة «الاصلاح الفلسطيني» ذات النسخ المتعددة بتعدد الجهات الداخلية والخارجية التي تعرض كل منها بضاعتها بدوافع الحق أو الباطل، او ما بينهما من باطل ألبس ثوب الحق. داخلياً تنطلق دعوة «الاصلاح السياسي» من الرئيس عرفات.. ومن «شلة» السلطة ومن قادة منظمات وفصائل المقاومة. وعلى الصعيد الخارجي تنطلق الدعوة من جورج بوش وارييل شارون. ولنتفحص رؤية كل من هذه الاطراف حتى نتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود. صدور دعوة الاصلاح من الرئيس عرفات كان حدثاً فجائياً، لأنه على مدى تسع سنوات ظل الرئيس الفلسطيني ينظر الى دعوة من هذا القبيل نظرة تشكك وريبة مسبغاً على صاحبها او اصحابها نعت «التخريب». فقد عرف عن الرئيس عرفات انه يتحسس من النقد، خاصة اذا كان ينطوي على دعوة الى التغيير. ولذا فإن الحماسة الفجائية التي ابداها عرفات مؤخراً تجاه مبدأ الاصلاح السياسي ودعوته المجلس التشريعي للانعقاد من اجل هذا الغرض، لا تقبل اي تفسير الا بأنها تجاوب مع نداء في الاتجاه نفسه صدر عن الرئيس الأميركي بوش الذي كان بدوره يردد صدى نداء من حليفه الاسرائيلي الجنرال شارون. واذن، لكي نفهم جوهر دعوة عرفات يتعين اولاً ان نفهم جوهر الدعوة الاميركية الاسرائيلية، اذا اسقطنا المحسنات البلاغية التضليلية التي حفلت بها تصريحات بوش وشارون، فإن نداءهما يتلخص في بندين محددين: اولاً: اعادة بناء وتقوية الجهاز الامني الفلسطيني، بحيث تدمج الوكالات الأمنية الفلسطينية كلها في جهاز واحد ضخم تتلخص فلسفته المهنية في تدمير فصائل المقاومة والمعارضة تحت اشراف اميركي ـ اسرائيلي باسم «التنسيق». وبالطبع تتولى الولايات المتحدة نفسها تمويل هذا المشروع. ثانياً: فرض رقابة مالية صارمة على الصعيد الأعلى للسلطة الفلسطينية من اجل ضمان عدم تسريب اي اموال الى «المنظمات الارهابية» ـ اي فصائل المقاومة. ويبدو ان الرئيس عرفات لا يعترض على الاصلاح الاميركي ـ الاسرائيلي بهذا المفهوم، اذا كان ذلك يعني تثبيت سلطته الوطنية والبقاء على رأسها. ويوافق عرفات ايضاً على الاقتراح الاميركي باجراء انتخابات على مستويات مختلفة، وهنا لابد ان رؤية عرفات للعملية الانتخابية تلتقي مع الرؤية الاميركية الاسرائيلية في ان العملية يجب ان تخضع لمراقبة ذكية حتى لا تفرز الا عناصر «معتدلة». واجمالاً فإن الهدف السياسي البعيد من وراء الدعوة الاميركية ـ الاسرائيلية نحو «الاصلاح»، هو ان يتولى القيادة الحقيقية السياسية للسلطة الفلسطينية طاقم من كبار الشخصيات الامنية يقبل المشاركة في عملية تفاوضية مستقبلية ليوقع على اتفاق بشروط شارون ـ اي «تأجيل» القضايا الاساسية النهائية (قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وحق العودة ووضع القدس الشرقية الخ)، والاستعاضة عنها بترتيب أمني طويل المدى قد يمتد الى عشر سنوات. اما «الاصلاح» من وجهة نظر فصائل المقاومة فإنه يتناقض رأسياً مع الرؤية الاميركية الاسرائيلية من ناحية ورؤية الرئيس عرفات من ناحية اخرى. ان رؤية قادة الفصائل تنطلق من مبدأ مكافحة الاحتلال الاسرائيلي ودحره نهائياً بكل الوسائل، بما في ذلك العمل المسلح في الارض المحتلة وداخل العمق الاسرائيلي، واذن فكل دعوة اصلاحية يجب ان ينظر اليها من منظور مدى خدمتها لهذا الهدف او مدى تعارضها معه. وبناء على هذه الرؤية ترفض فصائل المقاومة اي دعوة يقصد بها تكريس الاستبداد والدكتاتورية على صعيد قيادة السلطة، كما انها تدعم اي دعوة لابعاد عناصر الفساد من مؤسسات السلطة. وعلى الصعيد الامني يرى قادة الفصائل ضرورة اعادة بناء الاجهزة الامنية، لا لتخدم الاجندة الاسرائيلية الاميركية وانما لتكون حليفاً للمقاومة ضد الاحتلال. وهكذا تتعدد رؤى الاصلاح بتعدد الدوافع.. الخفي منها والمعلن، وهو تعدد يتحول رويداً رويداً الى صراع سوف يتصاعد دون شك في الأيام المقبلة.