يتوجه الشعب الجزائري يوم الخميس الثلاثين من مايو لصناديق الاقتراع لاختيار ممثليه في البرلمان، في اجواء وظروف يسودها لا مبالاة الشارع الجزائري من جهة ودعوات المقاطعة من جهة اخرى ووضع اجتماعي واقتصادي وسياسي يتميز بالتدهور. بعبارة اخرى حالة من اليأس وفقدان الامل من جهة، ومن جهة اخرى ضعف وتلاشي الثقة والمصداقية بين الناخب والنائب او الحزب السياسي، وسيطرة ثقافة الكلام والوعود والشعارات الرنانة الفارغة التي اصبحت هي السائدة. في هذه الظروف المشحونة باليأس وفقدان الثقة يقبل الجزائريون على ثالث انتخابات تشريعية في عهد التعددية السياسية. ما هي القوى الفاعلة في هذه الاستحقاقات؟ وما هي السيناريوهات الممكنة؟ وما هي الاحزاب التي تلعب الادوار الاولى في البرلمان القادم؟ وكيف تكون الخريطة السياسية في غياب ما يسمى بالاحزاب الديمقراطية مثل جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية والحركة الثقافية البربرية وغيرها من التشكيلات السياسية الاخرى التي طالبت واصرت على مقاطعة هذه الانتخابات،والتي شاركتها في الاصرار على المقاطعة شخصيات سياسية من العيار الثقيل مثل الدكتور احمد طالب الابراهيمي والجنرال بن يلس والشريف بلقاسم وغيرهم. خريطة سياسية معقدة ما يلاحظ على انتخابات 30 مايو هو بدون شك مقاطعة واسعة وصعود الاسلاميين الى منافسة الاحزاب العريقة والمسيطرة على الساحة السياسية الحالية وهي حزب التجمع الديمقراطي وحزب جبهة التحرير الوطني. فبالنسبة لحزب التجمع الوطني فانه الحزب الذي اسس في عهد الرئيس زروال في زمن قياسي وفي ظروف غير طبيعية وفاز بأغلبية المقاعد في البرلمان في انتخابات 1997، بفضل تواطؤ الادارة والسلطة وقوى كثيرة كانت بحاجة الى درع وواجهة سياسية لتحقيق اهدافها السياسية والاقتصادية وغيرها. حزب التجمع الديمقراطي بدأ يتراجع بعد فشله في تنفيذ وعوده في حل المشاكل اليومية للمواطن الجزائري وعلى رأسها البطالة التي تشكل النقطة السوداء في عهد الرئيس بوتفليقة بعد ثلاث سنوات من الحكم. من جهة اخرى يرى الملاحظون ان الاستحقاق الدستوري لسنة 2002 سيكون فرصة جبهة التحرير الوطني الحزب العريق والعتيد في الجزائر، والذي دفع الثمن غاليا اثر تطبيق التعددية الحزبية في الجزائر حيث كان الحزب الذي وجهت له كافة الانتقادات وحمله الجميع مسئولية الاخفاق والفشل للخروج بالجزائر الى بر الامان وبر التنمية الشاملة والرقي والتطور. في نهاية الثمانينيات اقترن حزب جبهة التحرير الوطني بفشل المشاريع الاقتصادية وبمسئوليته عن كل الاخفاقات التي عاشتها الجزائر بعد الاستقلال. بقيادة رئيس الحكومة الحالي علي بن فليس بدأ حزب جبهة التحرير الوطني يلملم اوراقه وقواه، واصبح حسب المتتبعين الحزب رقم واحد في التجمعات واللقاءات السياسية المختلفة في العديد من الولايات والمناطق. فبقيادة ابن فليس السياسي المحنك استطاع حزب جبهة التحرير الوطني ان يطهر صفوفه ويقحم عنصر الشباب في قوائمه الانتخابية ويعتمد على الكوادر ذات التعليم الجامعي والكفاءة العالية والسلوك الحميد البعيد عن الانتهازية والابتزاز والاستغلال والبحث عن المصالح الشخصية. ويبدو ان الحزب تعلم من اخطائه ويحاول ان يواجه وضعا سياسيا جديدا اصبحت فيه الثقة بين السياسي والشارع منعدمة. من جهة اخرى يرى الملاحظون السياسيون للشأن الجزائري ان الصراع في صناديق الاقتراع هذه المرة سيكون حامي الوطيس بين الوطنيين، حزب التجمع الوطني الديمقراطي وحزب جبهة التحرير الوطني من جهة، والاحزاب الاسلامية من جهة اخرى والمتمثلة في حركة حماس «مجتمع السلم» وحركة النهضة وحركة الاصلاح الوطني. فهذه الاحزاب الاسلامية الثلاثة قامت حتى الآن بحملة انتخابية وبتسويق سياسي مكثف في جميع انحاء القطر الجزائري، بقيادة الشيخ محفوظ نحناح عن مجتمع السلم والحبيب ادمي عن حركة النهضة والشيخ عبدالله جاب الله عن حركة الاصلاح الوطني، والمعروف عن هذه الشخصيات السياسية ذات التوجه الاسلامي فصاحة اللسان وقوة مهارات الاتصال السياسي والحنكة والتجربة، على عكس الكثير من زعماء الاحزاب السياسية في الجزائر. ما يميز الاستحقاق الدستوري هذه المرة هو ان كلا من حزب حركة النهضة وحزب الشيخ عبدالله جاب الله يحاولان استمالة وجذب قاعدة حزب الجبهة الاسلامية للانقاذ ـ الحزب الملغي ـ والذي حصل على 3 ملايين صوت في الاستحقاقات البرلمانية في ديسمبر 1991. وهذا ما جعل هذين الحزبين حسب الملاحظين يضمان في قوائمهما الانتخابية عددا لا يستهان به من مناضلي واعضاء الحزب الملغي، حزب الجبهة الاسلامية للانقاذ، الذي يتمتع بقاعدة جماهيرية عريضة. هل سيتكرر سيناريو 1991؟ وهل ستسيطر الاحزاب الاسلامية والتيار الاسلامي على البرلمان القادم؟ سؤال يطرحه اكثر من مهتم بالشئون الجزائرية، خاصة وان الاحزاب التي تسمي نفسها بالديمقراطية قد قررت المقاطعة وعدم المنافسة، وهذا ما سيحصر الصراع والتنافس بين الاسلاميين من جهة والوطنيين من جهة اخرى. وفي حال تأرجح الكفة لصالح الاسلاميين كيف سيكون رد الشارع الجزائري؟ ورد الديمقراطيين وكيف يكون رد فعل الطبقة السياسية الحاكمة حاليا؟ التغيير مطلوب انتخابات تشريعية في الجزائر يميزها شبح المقاطعة من جهة ولا مبالاة المواطن الجزائري من جهة اخرى، فالبرلمانات تتعاقب والنواب يذهبون ويأتون ووضع رجل الشارع على حاله. ظروف اقتصادية صعبة، وضع امني مهلهل، تتوقف العمليات الارهابية والمجازر وعمليات النهب والبطش والابتزاز فتهدأ الامور وتارة اخرى تتصاعد عمليات القتل والذبح والنهب والتخريب نلاحظ من جهة اخرى ان خمس ولايات ستقاطع الانتخابات وهذا يؤثر بطريقة او بأخرى على درجة المصداقية والتمثيل في هذا الاستحقاق البرلماني الهام. المتتبع للحملة الانتخابية التي انطلقت في الخامس من هذا الشهر يلاحظ ضعف العمل السياسي من قبل العديد من الاحزاب ـ هناك 23 حزبا ـ مشاركا في هذا الاستحقاق، كما يلاحظ عدم اهتمام الشارع بهذا الاستحقاق، فبالنسبة للخطاب السياسي الذي اصبح يعتمد على البكاء على الاطلال والنقد بدون تقديم بديل ولا حلول ولا مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي مبني على دراسات وابحاث ومعطيات علمية. فالثقافة السياسية مازالت تنقص العديد من الاحزاب السياسية في الجزائر والذي جاء معظمها في ظروف غير عادية وغير طبيعية سمحت لكل من هب ودب ان يدخل الفضاء السياسي وهو لا يعرف أسسه وقواعده. ومن نقائص التعددية الحزبية في الجزائر انها تعددية لم تفرز في واقع الامر تعددية سياسية والدليل على ذلك ان برلمان العهدة الماضية 1997 ـ 2002 اقر وصادق على العديد من القوانين كانت ضد ارادة الشعب والشارع الجزائري، الامر الذي ساهم في اتساع الهوة بين الناخب والمنتخب وبين السياسي والشارع، وهذا امر بالغ الخطورة اذا علمنا ان المصداقية والثقة تشكلان الدعائم والركائز الاساسية للعمل السياسي الناجح والفعال. هل سيكون استحقاق الـ 30 مايو استنساخا سياسيا لانتخابات 1997؟ ام انه عهد عودة جبهة التحرير الوطني لمقاليد الحكم والاغلبية في البرلمان؟ ام انه عهد الاحزاب الاسلامية في استغلال غياب الاحزاب الديمقراطية والقبائلية وكذلك الاستفادة من فشل حزب التجمع الديمقراطي في الاستجابة لمطالب الشارع الجزائري والوفاء بالوعود التي قدمها سنة 1997. المستفيد من استحقاق يوم الخميس المقبل هي كتلة الاسلاميين المعتدلين التي استغلت ابعاد الجبهة الاسلامية للانقاذ في الانتخابات السابقة والتي ستستفيد من الهزات الاخيرة والازمة الداخلية التي يمر بها حزب التجمع الوطني الديمقراطي، حزب الاغلبية في البرلمان السابق، كما ستستفيد الكتلة الاسلامية المعتدلة من حاجة الرئيس اليها لانفاذ التشريعات، المستفيد الاكبر سيكون بدون منازع جبهة التحرير الوطني التي ستستفيد من الازمة الداخلية للتجمع الوطني الديمقراطي وقد تستعيد بذلك كل ما أخذه منها هذا الحزب سواء من اصوات الناخبين او من الامكانيات المادية واللوجيستيكية او من المنظمات الجماهيرية، وبذلك سيكون حزب اويحي من كبار الخاسرين يوم الخميس المقبل. ويبقى السؤال المحوري والرئيسي والذي يطرحه كل جزائري هو ما هي انعكاسات واثار هذا الاستحقاق على الحياة اليومية للمواطن الجزائري؟ هل ستتحسن اوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والأمنية؟ ام ان البرلمانات تتعاقب ودار لقمان على حالها، فلماذا اذن الديمقراطية والانتخابات والتصويت والاحزاب السياسية؟! ـ استاذ قسم الاتصال، جامعة الشارقة