يبدو ان افغانستان ستظل تمثل عقدة في تاريخ البريطانيين وفي حاضرهم، لاسيما بعدما اعلن القائد العسكري البريطاني في افغانستان العميد روجرلين انه يتحمل اللوم في الضجة الاخيرة، التي رافقت الاخفاقات المتتالية للقوات البريطانية في افغانستان التابعة لقوات المارينز الخاصة والتي يقدر عددها بحوالي ثمانمائة مقاتل. فالعميد روجرلين والذي من المقرر انه تابع لقيادة القوات الاميركية التي جاءت بريطانيا لمناصرتها في افغانستان، يبدو ان الزهو سيطر عليه ونسى ما وقع لاجداده على يد الافغان وقاد حملة بريطانية في المنطقة الجبلية الجنوبية الشرقية لافغانستان استمرت ستة عشر يوما، سعى خلالها ليحقق انتصارات مدوية ضد مقاتلي القاعدة وطالبان، الا ان المحصلة كانت في النهاية خيبة امل كبرى للقوات البريطانية، حتى حينما اعلنوا انهم قد نجحوا في تدمير مخازن لاحد قادة التحالف الموالين للولايات المتحدة، وان هذه الاسلحة كانت حصة امريكية لهذا القائد. وحينما تعرض الاستراليون لهجمات في قندهار اعلن قائد القوات البريطانية انه المنقذ لهم وتحرك بسرعة مع ضجة اعلامية ليجد الامر في النهاية عبارة عن حادث اطلاق نار عادي مما تتعرض له القوات الغربية في افغانستان كل يوم وان التهويل الذي حدث ليس مبررا. لذلك تحول عمل القوات البريطانية في افغانستان الى سلسلة من الاهانات والاخفاقات شبه اليومية كللت بالمرض الغامض الذي اصيب به ثلاثمئة جندي نقل ثمانية عشر منهم بالطائرات للعلاج في بريطانيا، فيما سيطر الرعب على الباقين واتضح في النهاية انه نوع بسيط وشائع من الالتهابات، لكن البريطانيين في النهاية اصبحوا اضحوكة امام العالم مما دفع وزارة الدفاع البريطانية الى ان تعلن يوم الاثنين الماضي 20 مايو بانه سيتم استبدال القائد البريطاني الحالي للقوات العاملة في افغانستان العميد روجر لين بالعميد جيم داتون الذي من المقرر ان يحل محله بنهاية شهر يونيو المقبل وفي نفس الوقت خرج لين الى وسائل الاعلام ليعلن مسئوليته عن الاخفاق وانه قد غالى في تصريحات سابقة في النجاح الذي نسبه الى قواته وتبدو اصابع الاميركيين في المسألة حينما اشار لين الى انه لم يبلغ القوات الاميركية بالعملية الاخيرة التي قامت بها قواته. وكان لين قد ادلى في 8 مايو، اي قبل اقل من اسبوعين على اعلان وزارة الدفاع استبداله واعلانه هو لتحمل المسئولية بتصريحات بطولية اثناء قيام قواته بتمشيط بعض المناطق الجبلية الخالية من السكان، اعلن فيها ان الحرب ضد مقاتلي القاعدة وتنظيم طالبان قد اوشكت على الانتهاء وانه يتوقع انتهاء العمليات العسكرية لقوات التحالف الدولي في غضون بضعة اسابيع، الا ان الحقائق اكدت ان تصريحات القائد البريطاني لم تكن سوى اوهام. لكن الذين يعرفون تاريخ بريطانيا في افغانستان يستطيعون ان يتفهموا الحالة النفسية للعميد روجرلين، واسباب قيامه بحملة عسكرية دون اذن من القوات الاميركية ورغبته في تحقيق نصر ولو اعلامي بما فعل، فأفغانستان كانت مقبرة للقوات البريطانية ثلاث مرات، الاولى كانت بين عامي 1839 و1842 حيث غزا البريطانيون افغانستان من مستعمرتهم الكبرى في الهند بعشرين الف جندي واستطاعوا ان يطيحوا آنذاك بملك افغانستان دوست محمد ونصبوا مكانه الملك شاه شوجا، الا ان الافغان تمكنوا عام 1842 من ابادة الجيش البريطاني عن بكرة ابيه، ولم ينج منه احد سوى طبيب تمكن من الهرب وسجل مأساة البريطانيين في افغانستان ورواها للناس وللتاريخ. الا ان البريطانيين لم يتوبوا فعادوا الكرة بعد ذلك مرتين الاولى بين عامي 1879 و1881 وانتهت بفشل ذريع ايضا وهزيمة ماحقة للقوات البريطانية، والثانية كانت بين عامي 1919 و1921 وانتهت ايضا بهزيمة كبيرة للبريطانيين الا انهم انتهزوا اول فرصة للعودة مع القوات الاميركية وفي ذهنهم الفترات التي امضاها اجدادهم من قبل وهي بين عامين واربعة اعوام. لذلك حينما اعلن وزير الدفاع البريطاني جيف هون في السابع والعشرين من اكتوبر الماضي عن مشاركة القوات البريطانية في الحملة العسكرية على افغانستان قال «ان المهمة ستكون طويلة وصعبة وان مدتها سوف تتراوح بين ثلاثة اشهر الى اربع سنوات. والآن لم يمض على وجود القوات البريطانية في افغانستان سوى ثمانية اشهر فقط كانت مليئة بالخزي والاخفاقات.. فيا ترى ما الذي سوف يحدث لهم اذا اتموا اربع سنوات؟! ـ كاتب واعلامي مصري