الوعي بالاحداث السياسية في مجتمعاتنا العربية اصبح ملحوظاً في الآونة الاخيرة، وحاز على تقدم مذهل يستحق بموجبه الاعلام المرئي والمقروء، التصفيق الحار والشكر على هذه المواكبة اليومية بل والآنية بالصوت والصورة والكلمة للعديد من الموضوعات السياسية سواء بالتغطية المباشرة للحدث او بالتحليل الاخباري او بالبرامج المتخصصة في معالجة القضايا السياسية على نحو يجعل المتلقي في موقف متقدم من حيث الالمام بما يجري من احداث ساخنة وقوية، بل ويجعل منه شريكاً فعلياً في تحليل المشهد السياسي، وتتجلى تلك المشاركة بصورة محسوسة في سيل المكالمات الهاتفية التي تستقبلها تلك البرامج، ويستشف المتابع من خلالها وعياً وفهماً لدى غالبية المتصلين، ناهيك عما يستقبله البريد الالكتروني، وما يصل عبر الفاكس، وهي مؤشرات قوية على توفر ارضية من الوعي تبشر بنوع من الصحوة تجاه القضايا المعاصرة القومية منها والدولية، وهو ما أكسب الاعلام سمعة طيبة في هذا المجال بعد ان استلم المبادرة، واستطاع ان يكسر الرتابة اليومية لدى المشاهد، وان يكشف امامه الكثير من الحقائق، ويفتح له المجال ليدلي برأيه في الاحداث الساخنة، وينتقل من كونه متابعاً للحدث الى موقف المشاركة بالرأي عما يعتقده ويؤمن به. الى هنا والصورة تبدو في صالح الاعلام، غير ان جانبا آخر من الحياة لا يقل اهمية عن التغطية السياسية لم يحظ بذلك الاهتمام، وتلك العناية، ذلك الجانب هو المجال الثقافي، حيث لا نرى في المشهد الاعلامي ذلك الكم من البرامج الثقافية التي توازي او تقارب البرامج ذات الصلة بالمجال السياسي. حيث ان الجرعات الثقافية محدودة، ولا تشكل نسبة عالية وفق ما كان مرجواً ومأمولاً. ولا ندري ما سبب زهد الاعلاميين واعراضهم عن تناول الموضوعات الثقافية الجادة في حين تزخر الساحة العربية بخبرات علمية تشكل مدرسة متميزة في حقل الثقافة المسئولة القادرة على رسم الخارطة العقلية للاجيال القادمة بل على اعادة تشكيل ملامح الخارطة العقلية لكثير ممن فقدوا انتماءهم لهويتهم وجذورهم الاولى. هذا الاحتفاء بالثقافة الذي نطالب به وسائل الاعلام ليس ترفاً من القول، ولا غلوا في الرأي بل هو الامر الواجب، والمطلب المشروع. والاستمرار على تجاهل العمل الثقافي الشامل بكل خيوطه وابعاده، وكل ملامحه وتفصيلاته بدءاً من صياغة الشخصية المحبة للمعرفة والتعلم، ومروراً بالقضايا الملحة ذات الطابع المعرفي او الادبي او الاجتماعي هو استمرار في الطريق الخاطيء. اذ ما اكثر الزوايا المجهولة من تلك الموضوعات الحية. ان انكماش مساحة الاهتمام بهذه الموضوعات جعل من الطرح الاعلامي لتلك القضايا طرحاً ساذجاً ومستهلكاً على نحو ضاعت فيه كثير من الحقائق، وغيبت فيه كثير من الافكار الجديرة بالطرح والمعالجة، ناهيك عن استدعاء من ليسوا اصحاب خبرة ولا اختصاص للتحدث في موضوعات خطيرة كالزواج او الطلاق او اسس تنشئة الأبناء، او المشاكل العائلية، او العلاقات الاجتماعية، او حقوق المجتمع او المشاكل الاخلاقية، او موضوع ادارة الذات. هذا من شأن الموضوعات العامة التي تهم المجتمع، اما عن التفاصيل ذات البعد الحضاري التي تعرض لمقومات الريادة، وتفصل في كيفية بناء الحضارات، واسس عمارتها فتلك موضوعات على خطورتها، وتشعبها ودقة تفصيلاتها كانت مغيبة او مبعدة عن دائرة الاهتمام على نحو يرفضه العقلاء ويرونه لا يرتقي الى مستوى الطموحات والآمال. ومما يؤسف له كذلك ان ما يطرح من تلك الموضوعات لا تتوفر له رؤية شمولية ترفع من قيمة العمل، ومن رصيده في القبول والتأثير، والسبب هو النقص الحاد في توفر الكادر العلمي القادر على وضع استراتيجيات بعيدة المدى من اجل تحقيق تلك الاهداف الطموحة. السؤال الحائر، لماذا رضي الاعلام ان يمشي على قدم واحدة في حين كان قادراً على ان يمشي على قدمين؟! مريم عبدالله النعيمي