شارع أحمد مسعود هو رافد مظلل بأشجار الزينة الوارفة الباسقة يتفرع من شارع الدقي الكبير المفضي بدوره الى حديقة الأورمان، التي ما برحت تؤدي دورها بوصفها إحدى الرئات التي تتنفس القاهرة من خلالها وهو دور تاريخي ما برحت الحديقة المترامية المتنوعة النبات تضطلع به باخلاص شديد واصطبار جميل وطويل بعد أن أنشأها العلامة علي باشا مبارك رائد التربية والتعليم في مصر والشرق منذ مائة وثلاثين عاما من عمر الزمان الحديث. شارع أحمد مسعود واحد من منظومة ثلاثية من شوارع أشجار الدقي الوارفة الظلال من ناحية والثرية التاريخ من ناحية أخرى. أولها يحمل اسم الدكتور السبكي وأغلب الظن أنه ذلك الطبيب الذي كنا نلتقي به في ندوات اليفاعة والأمل منذ كنا طلابا في الجامعة وكان أشهرها ندوة تحمل اسم الشاعر الرقيق الراحل ابراهيم ناجي ويشرف عليها شقيقه الأستاذ محمد ناجي وفي تلك الندوة ألقى الفقير كاتب السطور أول محاضرة في حياته وكانت ـ للغرابة ـ بعنوان «فن الموال الشعبي» وقد كان من حضورها ـ يا للجسارة ـ الدكتور عبدالحميد يونس وهو من رواد الدرس الأكاديمي للفن والأدب الشعبي ولعل الأستاذ الكبير قد تجاوز عن بعض إن لم يكن معظم ما جاء في محاضرتنا الأولى التي حشوناها كما قد تعي الذاكرة بطروب المبالغات والأحكام المطلعة والتعميمات التي صورتها لنا أوهام السن المبكرة بغير نضج ولا خبرة .. فقد كان عمر السيد المحاضر وقتها لا يتعدى السنوات العشرين المهم أن الدكتور السبكي كان يحضر الندوة ولا يشارك إلا بتعليقات مختصرة وملاحظات موجزة ولكنه يطل على روادها ببسمة حانية وسحنة يتوسطها شارب مربع ومشذب على طريقة هتلر ولعله كان متعاطفا بحكم مهنة الطب مع اسم الدكتور ناجي شاعر الأطلال. وبالمناسبة فاسم عائلة السبكي منسوب ـ والله أعلم ـ الى كلمة من تراث مصر القديمة هي سُبْك (بضم السين وسكون الباء) وتشير الى تمساح النيل وقد كان من رموز الأرباب المعبودة في عصور مصر الغابرة ولاسيما في دلتا النيل حيث كان ظهور التمساح بين مياه النهر حدثا مروعا يبعث الخوف في فرائص الناس ولقد كان الانسان القديم إذا ما خاف شيئا لا يتردد في تنصيبه رمزا يعبده واذا ما أحب شيئا يفعل الشيء نفسه، وقد أحب الناس في تلك الأزمنة البعيدة قرص الشمس فعبدوه في شخص «آتون»، وعرفوا للبقرة فضلها فنصبوها رمزا موقرا باسم «حاتحور»، أما التمساح المخيف فقد حاولوا اتقاء شره فعبدوه باسم «سبك» وهو اسم ما زال عَلَماً على أكثر من قرية أو بلدة في دلتا النيل .. ومن البيوت العتيقة في القاهرة وربما في مدن مصرية أخرى ما لا يزال يرفع على بوابته الخارجية تمثالا من خشب لتمساح وهو ما تبقى في ذاكرة العقل الجمعي من تقاليد عبادة التمساح ـ المعبود سُبْك في الزمان البعيد. في منطقة الدقي ثمة شارع ثان يجاور شارع الدكتور السبكي وهو شارع جابر بن حيان وبديهي أن صاحب هذا الاسم لا يحتاج الى تعريف أو تقديم .. فمنذ توفي هذا العالم العربي المسلم الكبير عام 850 للميلاد وما برحت مؤلفاته في «أصول الكيمياء» و«أسرار الكيمياء» مراجع رائدة لدى علماء الغرب والشرق على السواء. مع ذلك يرتبط شارع جابر بن حيان في ذاكرة كاتب السطور بعبير الفكر والانتماء العربي القومي على مستوى الثقافة والسياسة في آن واحد .. كيف لا وقد سكن واحدا من بيوته الاستاذ أحمد أمين صاحب سلسلة التأريخ للحياة الفعلية في الاسلام بين الفجر والضحى والظهر.. ثم سكن البيت نفسه أبونضال المرحوم عبدالله الريماوي وقد كان على امتداد ثلاثة عقود من الخمسينيات الى فاتح الثمانينيات نموذجا لمناضل ومفكر ومثقف وكاتب يرى أن قوة هذه الأمة إنما تتجسد في وحدتها قبل أي شيء آخر وقد جاء الاستاذ الريماوي لاجئا من الأردن وقد تولى فيه منصب وزير الخارجية الى قاهرة عبدالناصر ليعيش ويكتب ويفكر ويدعو ويتأمل ولكي نتخذ منه رائدا وأخا أكبر وصديقا وشريكا في نضال من أجل تأكيد عروبة مصر ودورها المسئول في طليعة أمتها. وتشاء المصادفات أن يشارك في سكن شارع جابر بن حيان مثقف ومفكر عروبي أصيل من مصر هذه المرة هو الدكتور يحيى الجمل الأستاذ الجامعي والفقيه الدستوري وما زالت تربطنا معا صداقة يمتد عمرها بحمد الله عشرات السنين. الشارع الثالث في هذه المنظومة هو شارع أحمد مسعود الذي بدأنا به أولى السطور في صدر هذا الحديث. ومن عجب أن لم نستطع أن نتقصى أصل هذه التسمية ولا عرفنا للأسف من هو السيد أحمد مسعود هذا .. وكتب السير والتراجم التي بين أيدينا لا تسعف بمعلومات تشفي الغليل في هذا المقام اللهم إلا ما يحدثنا به الأستاذ الزركلي في قاموس «الأعلام» عن شاعر أندلسي شبه مغمور عاش في القرن الثالث عشر الميلادي وحمل اسم احمد بن مسعود. مع ذلك فلا يزال شارع أحمد مسعود في الدقي هو الأقرب الى القلب.. لأنه يرتبط بذكريات تعود الى أروع سنوات اليفاعة ففي آخر بيت بذلك الشارع العتيق كان لقائي .. أول لقاءاتي بشباب من أبناء منطقة الخليج.. وبالتحديد المنطقة التي كانت تحمل منذ الستينيات اسم إمارات الساحل المتصالح .. كنت قد انتدبت من إذاعة صوت العرب للعمل متفرغا في مكتب الزعيم عبدالناصر للشيءون العربية برئاسة الجمهورية ولما كان أبوخالد حفيا بالشباب والطلاب الوافدين للدرس في قاهرة ذلك الزمان الطيب الجميل فقد كان من مهام الموظف الجديد بمكتب الشئون العربية هو التفاعل عن قرب ـ ربما بحكم التقارب العمري ـ مع الطلاب العرب بكل ما كان يشمله هذا التفاعل من ندوات التثقيف ومعسكرات التعارف والترفيه ومقاربة مشاكل شتى تعرض للطالب الوافد.. المنح الدراسية .. الانتخابات الطلابية .. التعامل مع الدوائر الاكاديمية والأجهزة البيروقراطية. في البيت الكائن بشارع أحمد مسعود .. كان لقائي مع الشاب الذي يدرس بقسم الاجتماع في جامعة القاهرة ويحمل الاسم الفريد الشديد التميز: «تريم عمران تريم» كان أخوه (الصديق الكريم) عبدالله قد أنهى دراسته وعاد الى «البلاد» وبقي معنا تريم بشخصيته القيادية وقدرته على جذب قلوب واحترام زملائه وأقرانه .. كانت تجمع بيننا رؤية أقرب الى الطوباوية تستند الى حلم كبير وجميل تغذيه حمية الشباب في زمن عبد الناصر حتى ليكاد المرء ينظر في ساعته متسائلا: ـ متى بالضبط تتحقق الوحدة العربية؟ توالت الأيام .. وانهالت الانكسارات واكتهل الشباب وتفرقت السبل شتى برفاق الطريق .. وانزوى الحلم الكبير .. ولكنه لم يتبدد .. وحين كان اللقاء يجمع بيننا على ارض الامارات كنا نتذاكر أيام الحلم الأثير الجميل.. وكنا على ايمان ـ بيقين ـ من أن أمتنا لن تفرط في حلم وحدتها، إن لم تكن حلم وحدة السياسة فلتكن وحدة الارادة .. أو لتكن حتى وحدة الرؤية، وحدة الإطلالة، وحدة المنظور الى ما يصادف الأمة من قضايا وتحديات .. وحسب هذا الجيل إن لم يفرط في مفردات الإيمان بأنه لينتمي الى أمة موحدة بالفكر واللغة وبالمصير وبالتاريخ. ولأنه ترجم هذا الايمان الى صرح مؤسسي اسمه «مؤسسة الخليج للصحافة» فقد أدى «تريم عمران» رسالته إزاء شعبه وتجاه أمته ويشهد الله أن لم تكن مسيرته، لا هو ولا رفيق دربه عبدالله عمران، مسيرة ممهدة أو ميسورة بل كانا يقتحمان در الاثنين 15 ربيع الاول 1423 هـ الموافق 27 مايو 2002