انه ألم شخصي هذا الذي احسه بفقدان صديق عزيز وهو ألم عربي كذلك لاننا جميعا فقدنا رجلاً جريئاً انصف القضايا العربية وقضية فلسطين، على مدى اربعين عاماً.. الى آخر رمق في حياته حيث اتصل بي الاسبوع الماضي وأرسل الي مقاله الاخير الذي كتبه عن استقلال تيمور الشرقية. ميشيل جوبير كان وزيراً لخارجية الجمهورية الفرنسية في السبعينيات حين اندلعت حرب رمضان «اكتوبر 1973» وكانت له مواقف مشهودة مع زميله الاميركي هنري كسينجر. كان جوبير العدو الاول للدبلوماسية الاميركية التي كان ينعتها علناً بالتهور في الانحياز الاعمى لاسرائيل.. وكانت له مناقشات وجدالات مع كسينجر تفنن في رسمها اشهر رسامي الكاريكاتير في صحيفة «لوموند» الفرنسية الكبرى. ثم ان جوبير كان منذ عهد الرئيس الجنرال ديجول مديراً لمكتب الجنرال وبعد ذلك اميناً عاماً لقصر الاليزيه في عهد الرئيس الراحل جورج بومبيدو ثم وزيراً لخارجيته ثم دعاه الرئيس فرانسوا ميتران الى وزارة الخارجية والتعاون الدولي بالرغم من انه محسوب على اليمين واستقال من تلك الوزارة عام 1982 ليتفرغ للكتابة والتفكير. وفي أواسط الثمانينيات تعرفت عليه عن كثب وطالما زرته في شقته بالدور الرابع عشر من العمارة عدد 108 التي تشرف على نهر السين وظل جوبير وفياً غاية الوفاء لصداقتي وهو يعلم انني مطارد وملاحق ووجدته الى جانبي كلما المت بي ازمة من الازمات التي يعرفها المثقفون المنفيون الضاربون في ارض الله ولي منه رسائل سوف يتاح لي شرف نشرها والتعليق عليها. وقمت بتعريب مقالاته الاسبوعية في بعض الصحف الخليجية واطلع قراؤها على صوت جهوري مرتفع بالحق العربي مناصر لفلسطين شديد النقد اللاذع للسياسة الاميركية وكان يروي لي مغامراته مع الدبلوماسية الاميركية فقال لي مرة ان الرئيس ريتشارد نيكسون دعا وزيره للخارجية هنري كيسنجر وقال له بغضب: «من هو هذا الرجل الفرنسي قصير القامة الذي يقف كالشوكة في حلقي..» فرد عليه كسينجر: «انه ميشيل جوبير وهو مولود بمدينة مكناس بالمملكة المغربية.. وانا ارتاب في أمره.. فلعله عربي متنكر في زي فرنسي..!» ويروح ميشيل في ضحكة عريضة متفائلة، كما يتذكر دائما الرسم الكاريكاتيري الذي رسمته صحيفة «لوموند» عام 1974 ووضعت فيه جوبير وكيسنجر متخاصمين كان كيسنجر يقول متوددا لجوبير: «من فضلك ادعني باسمي المجري هنري.. ويجيبه جوبير قائلا: من فضلك ادع لي تاكسياً..». وكانت لنا لقاءات موسمية نحترم مواعيدها في مطعم سان فرانسيسكو بشارع فرساي بباريس امام جسر ميرابو الشهير مع صديقنا المشترك محمد مزالي رئيس حكومة تونس سابقاً وصديقنا الثاني بلانشي العضو السابق في البرلمان الفرنسي، نتحادث عن مختلف الشئون والشجون ونضحك للنكات التي يحفظها جوبير ويرويها لنا دون ان يضحك وكانت كلها نكات سياسية نصفها فرنسي ونصفها مغربي. ولد جوبير عام 1921 بمكناس المغربية وكان والده مهندسا زراعيا جرح في الحرب العالمية الاولى 1914 ـ 1918 ولم يكن يعرف فرنسا إلا من خلال ما يرويه والده ووالدته من ذكريات واكتشف بؤس المغاربة وفقرهم تحت الاستعمار الفرنسي واحب هذا الشعب العربي واحسن عشرة الثقافة العربية الاسلامية مما طبع سلوكه ومواقفه حين تحمل المسئوليات الكبيرة والى آخر لحظه في حياته، تميزت مقالاته خلال الانتفاضة الفلسطينية الاخيرة بطابع الغضب المشروع من صلف الخيارات الاميركية في افغانستان بعد 11 سبتمبر وفي فلسطين على ايدي شارون. كان يكتب اسبوعياً افتتاحية محطة اذاعة ميدي واحد وتنقلها بعض وسائل الاعلام العالمية.. وقليل نادر من الصحف العربية. وطالما توجهت الى جامعة الدولة العربية والى منظمات وجمعيات ومراكز وجامعات عربية لتدعو على الاقل هذا الرجل اكراماً له وانصافا له، ولم تستجب بينما الاصوات ترتفع هنا وهناك من اجل «تصحيح صورة العرب والاسلام في الغرب..!» لكن شتان ما بين الاقوال والافعال! رحل الصديق الوفي وهو في ميدان معركة ضمير ـ هكذا كان يسميها ـ ضمير حي عادل لم يرض الظلم المسلط على فلسطين ولم يرض هذه المغامرة الاميركية غير الاخلاقية كما سماها في عنوان مقال صادر يوم 12 ابريل الماضي.. مغامرة تفتقر الى الاخلاق رغم طغيانها العسكري. رحل الصديق الذي شد ازري وازر كل المنفيين العرب الضاربين في شوارع فرنسا والعالم بحثا عن كرامة وحرية وتعبير. والذي يؤلمني هو ان كرسيه سيظل فارغاً هذا الصيف بمطعم سان فرانسيسكو حين نلتقي على مائدة غداء كعاداتنا كل موسم. سألته يوما: لماذا تسكن هذا الطابق المرتفع من العمارة فقال ضاحكاً: لانه يوم أموت سيضطرون الى انزالي في نعشي واقفا بسبب ضيق «المصعد..» ويوم كنا نعزيه في موت زوجته منذ عامين.. قال لنا وهو ينظر الى صورتها لن نظل طويلاً مفترقين. ـ استاذ الاعلام في جامعة قطر ahmad 2701 @ hatmail.com