كثيرة هي الدول التي تنتظر الفرج الاقتصادي من خارجها محاولة اقناع المستثمرين بانها هي الدولة الامنة ذات المناخ الاستثماري الرائع، وقد تدفع الكثير من الاموال في سبيل تحسين صورتها، وتنقيتها من الشوائب، وقمع المعارضة السياسية، وقد تراقب الصحف في محاولة يائسة لجعل صحفها نشرات دعائية بها الكثير من الوجوه الباسمة الضاحكة التي تعمل على قص الشرائط وتوزيع الاوسمة. لنراقب شوارع الدول العربية، ولننظر في وجوه المارة والباعة، دعونا نقدر مدى سعادة هذا الشعب او ذاك من خلال تعاملهم مع بعضهم، ومن ثنايا شكاواهم في المقاهي وهم يحتسون الشاي بعد عمل يوم مضني، لندخل في قلوبهم ونحدد همومهم، سنجدها كثيرة متنوعة متوزعة بين هموم العلاج والتعليم والسكن والخدمات والبطالة والضرائب وغيرها، والحكومات تقوم بنشر نشاطاتها على صفحات الصحف الاولى معلنة البدء في مشروع او الانتهاء منه، ولكن كل ذلك لا يجد الاهتمام من تلك الشريحة الفقيرة المطحونة التي لايهمها سوى قوتها ومشاكلها اليومية المتراكمة، هي دائرة مغلقة كسرها بحاجة الى مطرقة سحرية ليست بعيدة المنال. دأبت الدول العربية خلال السنوات الاخيرة على الاهتمام بأمور كثيرة لم يكن التعليم من ضمنها، وان كانت الكلمة تأتي ضمن خطابات المسؤلين من حين الى اخر، مما احدث فراغا حاولت الكثير من المؤسسات التعليمية الخاصة سده، فأصبح التعليم سوقا استثمارية ضخمة نظرا لضعف التعليم الحكومي وعدم الاهتمام به، ولكن هل هذا صحيح على المدى البعيد ؟ اعني التعليم النخبوي، أي تقديم التعليم الراقي لمن يستطيع ان يدفع ووضع الشريحة الضخمة ممن لا يملك في النظام التعليمي الحكومي الضعيف الذي يقدم لنا مخرجات قد تكون عالة على الحكومة نفسها؟ إن جلب الاستثمارات واصلاح الوضع الاقتصادي ورفع المستوى المعيشي لا يقوم على التعليم النخبوي فحسب، بل يجب ان يكون الشعب بمجمله منتجا، قادرا على الابداع في جميع المجالات الادبية والعلمية والصناعية، والمستثمر لا يحلم بان ينشئ مصنعا في ارض بور يعيش حولها اناس عالة عليه بل يود ان يرى ماله بأيدي اناس منتجين متعلمين يقدرن قيمة الوقت والمال والعمل. ترى الدول المتقدمة في التعليم استثمارا رائعا لمقدراتها، استثمارا لا ينضب في البشر، ووضعت حدودا دنيا له، وحددت مخرجاته، واحترمت المعلم ووضعته في مكانه المرموق، اليس هو نواة هذا النظام وركنه؟ منذ بضع سنوات قابلت وزيرا عربيا يتربع على عرش التعليم في دولته، وسألته عن مدى اهتمامه بالمعلم، فما كان منه سوى ان فتح عينيه وابدى استغرابه من السؤال، وقال ان مستوى المعلم في دولته قد ارتفع كثيرا، وانه يلقى الاهتمام الجدير به كمرب للاجيال، وانه يعيش احلى عصوره، التفت الى مرافقي مبديا بدوري استغرابي وجهلي بتطور الاوضاع هناك، وبعد خروجنا سألت عن صحة ما قاله الوزير، فلم اجد سوى جواب لا استطيع كتابته. وقد سألت وزيرا عربيا اخر للتعليم عن مدى رضاه بمايدفعه من راتب للمعلم، فقال لي: انه يستلم لدينا اكثر مما يستلم في بلده، ولم يكن يقصد سوى انني ادفع له ثلاثة الاف ريال، ولن اعلق على ماقاله سعادته، ولكن من يعيش في الخليج يعلم ان الشحاذ الذي يقف على باب المسجد قد يحصل على اكثر من ذلك، وهذا المبلغ لا يكفي بأي حال من الاحوال لحياة كريمة بعيدة عن ذلك السؤال. ان الدول التي تستثمر في عقول البشر تحمي نفسها من الازمات الداخلية ومن الغزو الخارجي ومن تقلبات الزمن، فالصين لم تحتل هونغ كونغ لانها بحاجة الى الشعب هناك، بحاجة الى نشاطهم الصناعي والتجاري، ولم تفكر ماليزيا في غزو سنغافورة لانها ليست بحاجة الى اراض تضمها اليها بل بحاجة الى جار صناعي تعول عليه وتستثمر اموالها عنده، واليابان رغم بعدها وقله مواردها وضيق ارضها اصبحت قوة هائلة بقوة نظامها التعليمي الذي كسر حلقة فقرها التاريخي، ونحن لن يكون لنا وزن قبل ان نجد للمعلم في وسطنا وزنا. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» com Qatar877@hotmail.