فمن هو الطرف الذي ينبغي ان يوجه اليه اللوم في التراشق الكلامي الخطير الذي اندلع بين قيادة السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة المسلحة؟ وهل من الممكن احتواء هذا التراشق قبل ان يتحول الى حرب داخلية بالسلاح الناري؟ ويبدو ان قادة الكفاح المسلح لم يعودوا يحتملون بيانات الادانة بالارهاب التي درجت قيادة السلطة على اصدارها كلما وقع هجوم استشهادي في الداخل الاسرائيلي بالاضافة الى محاولات السلطة لتحجيم نشاط الفصائل. انطلقت القذائف الكلامية من «حماس» و«فتح» وبينما كان هجوم «حماس» اوسع مساحة وتفصيلاً جاء هجوم «فتح» أشد قسوة. لقد اتهم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في سياق تصريحات ادلى بها في دمشق السلطة الفلسطينية بأنها «صارت لسان الحال للعدو الاسرائيلي». وقال: «هذا يدل على ان السلطة اصبحت من الضعف ومن التبعية ومن الشعور بالعجز وعقدة النقص لدرجة انها لا تلتفت الا الى ما يرضي الأميركيين والاسرائيليين بينما لا تقوم بواجبها في الدفاع عن الشعب الفلسطيني». ان خطورة هذا الكلام وما ينطوي عليه من نذير ببزوغ مرحلة من الاشتباك المسلح الداخلي يتمثل في ان هذه هي المرة الاولى منذ اندلاع الانتفاضة قبل 19 شهراً التي تشن فيها «حماس» هجوماً انتقادياً مكشوفاً على قيادة السلطة الفلسطينية فقد حرصت «حماس» طوال هذه الفترة على كظم غيظها رغم انحرافات السلطة واستفزازاتها، ويبدو اذن ان الصراع الذي كان يدور في الخفاء بين السلطة وفصائل المقاومة قد خرج الآن الى السطح بعد ان بلغ نقطة اللاعودة. ولم ينحصر هجوم مشعل على كيفية ادارة السلطة للتعامل السياسي مع الولايات المتحدة واسرائيل بل تعدى ذلك الى ممارسات الفساد التي يجري عنها الحديث منذ سنوات اوسلو الاولى في الأوساط الشعبية الفلسطينية فقد طالب بتغيير قيادة السلطة قبل ان يستدرك ليهاجم «اصحاب الجيوب المنتفخة الذين عاشوا على عذابات الشعب.. فهؤلاء ليسوا مؤهلين لبرنامج الاصلاح». وانتقد مشعل ايضاً موقف السلطة من العمليات الاستشهادية ووصفها بالارهاب قائلاً: «ان هذا شيء مسيء». وهذا الانتقاد يتناغم مع ما صدر من انتقادات مماثلة من «فتح» ممثلة في فصيلها المسلح «كتائب شهداء الاقصى» حيث قالت: «كفى للمتسلقين الذين يسارعون الى ادانة العمليات البطولية التي ينفذها ابطال المقاومة الفلسطينية ولا نسمع صوتهم عندما يتعلق الامر بمجازر ترتكب بحق ابناء شعبنا الفلسطيني». وفي بيان مكتوب لكتائب الاقصى تعهدت فيه بمواصلة العمل الاستشهادي اعلنت انها لن تلتزم «بخطوط حمراء او بتعليمات او توجيهات او املاءات المتخاذلين والمستسلمين لارادة اميركا واسرائيل». وذهبت «كتائب الاقصى» ابعد من ذلك حيث اشار البيان الى «سياسة جديدة» تنطوي على وعيد موجه ليس ضد اسرائيل فحسب، بل ايضاً، وبنفس القدر ضد «كبار رموز الخيانة والفساد اياً كانت مواقعهم ومكانتهم داخل المؤسسة الرسمية او في صفوف شعبنا». تصور ما سيأتي به الغد القريب ليس اذن صعباً فالتناغم الكامل بين بيان «حماس» وبيان «فتح» يشير الى ان ثمة خطوط معركة قد وضعت، معركة يقف فيها تحالف للفصائل المسلحة ومن ورائها المنظمات الفلسطينية ضد السلطة الفلسطينية وقواتها. لقد ردت قيادة السلطة على رشق «حماس» برشق مضاد حيث اتهمها الطيب عبدالرحيم امين عام الرئاسة في السلطة الفلسطينية بأنها تعمل على «تدمير المشروع الوطني.. وتشويه صورة نضال شعبنا». واذا كان هذا المسئول الرسمي قد حصر هجومه في قيادة «حماس» في الخارج كما قال فإنه لن يمضي وقت طويل، مع تصاعد المعركة الكلامية، قبل ان يشمل هجوم السلطة الكلامي ليس قيادة «حماس» الداخلية فحسب بل ايضاً الفصائل الاخرى المتحالفة معها بما في ذلك «فتح». وما يمكن استخلاصه من كل ذلك هو انه ما كان لقيادات الفصائل المسلحة ان تلجأ للمرة الاولى الى فتح نيران كلامية مع قيادة السلطة (مما يمهد لفتح نيران حقيقية لاحقاً) الا بعد ان توصلت الى قناعة نهائية بأن قيادة السلطة توغلت الى حد خطير في تفاهماتها الامنية الخفية مع كل من اميركا واسرائيل بما يتهدد المقاومة الفلسطينية بأعلى درجات الخطورة.