في مثل هذه الايام، ومنذ عامين تحديداً، ايقن جيش اسرائيل الذي كان يحتل جنوب لبنان، إن الجنوب مستنقعه الذي سيهلك فيه لا محالة ان بقي اكثر من ذلك، فقرر ان يرحل، محملاً بالهزيمة والخيبة، وبسجل حافل من الهزائم والقتلى.. مخلفاً وراءه ارض الجنوب التي غنتها فيروز منذ زمن أرضنا مشغولة بالذهب وبالقلوب.. لكنه خلفها ايضاً مزروعة بالدمار والالغام والفقر. في هذه الايام تهب على الجنوبيين في لبنان، ولبنان كله جنوب، ذكرى الانتصارات والخلاص من كابوس احتلال ظل جاثما على القلوب لاكثر من 20 عاماً.. يستعيد الجنوبيون ذكرى اندحار الصهاينة بفرح وبحزن وبعتب.. وبكبرياء الذين اسقطوا حسابات الخوف والمصالح فانتصروا على رعب (اسرائيل) بقوة الارادة قبل ان ينتصروا عليها بحسابات موازين القوة. وكانت فيروز تغني «اسوارة العروس مشغولة بالذهب وانت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب». وجاءت جيوش الاحتلال لتشق قلب لبنان ولتحتل عاصمته.. ثم لتنتهك حرمة ارضه كله.. واخيرا تحط رحالها سنوات وسنوات في الجنوب.. تزرعه كل يوم بالرعب والانفجارات والقتل والتدمير والخيانات والاعتقالات. ورحلت اسرائيل عن الجنوب مكللة بالعار.. وتهاوى معتقل الخيام.. وتفرق جيش لحد العميل.. وظلت فيروز تغني عن الجنوب المشغول بالذهب والقلوب، وعن الغزاة والمحتلين الذين يأتون و(يغلون) ويبقى الجنوب.. جنوباً نابضاً وعزيزاً ومنتصراً ولكنه عاتب كثيراً جداً، وله كل الحق! اليوم يحلل الكتاب واساتذة السياسة ومختصو العسكرية والاستراتيجيات، سر انتصار الجنوب على جيش الاحتلال.. واليوم سمعت الكثيرين يتحدثون عن خيار المقاومة العسكرية الذي اخرج (اسرائيل) من الجنوب فلماذا لا يختاره الفلسطينيون ويثبتون عليه؟ لماذا يتفرقون حول قضيتهم ومصيرهم، ويعلنون كل يوم عن خيار، وعن استراتيجية، وعن حل، هل لانهم جهات وليسوا جهة واحدة؟ هل لانهم متفرقون احزاباً وايديولوجيات؟ هل لانهم انساقوا وراء الاتفاق مع الصهاينة، وارتبطت جهات منهم باسرائيل إلى درجة المقايضة على مصير القضية نفسها؟ هل كل الفلسطينيين جادون في مقاومة (اسرائيل) وانهاء احتلالها؟ فلماذا اذن دخلوا سرداب المفاوضات المظلم منذ اكثر من عشر سنوات ولم يخرجوا منه بنتيجة؟ لماذا اضاعوا كل الاوراق فصاروا ورقة في مهب الرياح العاتية؟ لماذا لم يتعلموا من درس الجنوب واذا كانوا قد تعلموا فلماذا لم يطبقوا؟ واذا طبقوا فلماذا لم يثبتوا؟ ان النصر يحتاج إلى الثبات لا إلى مبادرات السلام المتهافتة يوميا تعلن عن حسن النوايا تجاه العدو! تكسب الشعوب معركتها حين تؤمن بها، فتحسن موقعها في ميزان الارادة قبل ان تؤمن نفسها في ميزان القوة، وهذا هو درس الجنوب الاكبر.. حيث انتصرت على ارضه ارادة المقاومة على ارادة الاحتلال، برغم الفقر، واختلال الميزان العسكري، واختلاف المناهج والايديولوجيات بين من تصدوا للمقاومة، ذلك ان الشاب المقاوم المسلم من حزب الله متفق مع المرأة البسيطة، مع سهى بشارة اليسارية المسيحية ومع آخرين، الكل متفق على ان الجنوب تراب طاهر مشغول بالذهب وبالقلوب ويجب ان يبقى، وان تستمر المقاومة حتى يتحقق النصر، بمعنى ان خيار المقاومة حتى النصر لم يكن يحتمل المساومات والمقايضات عند اهل الجنوب: شبابه وصباياه ونسائه ورجاله وحتى اطفاله وهذا درس آخر من دروس الجنوب ايضاً. في الجنوب فسرت ارادة الجهاد والمقاومة كل حركة الانسان الجنوبي لمدة زادت على العشرين عاما، فاحتمل الاعتقالات والعذاب والجوع وتفرق الاحباب في المنافي، والانفجارات وفقدان الاهل في الغارات المتتالية لكنه لم يخضع لمبادرات تأتيه من هنا وهناك، كان هو خير مفسر لارادته، فذهب مع تفسيره حتى آخر الشوط .. لذلك انتصر. في فلسطين، شارون يفسر التوراة، وجيشه يفسر الارهاب واميركا تفسر هي الاخرى، وعرفات له تفسيراته، والمجاهدون لهم تفسيراتهم، وما من تفسير يتفق مع الآخر، ولذلك فلا نهاية للشوط هناك حسب ما يحلم كل الاطراف. في ذكرى تحرير الجنوب .. تحية لكل الذين صمدوا، وسلام على الغائبين .. وباقة ورد لكل بيت جنوبي هناك مررت عليه ورأيت أهله ذات يوم جميل.