احترت واحتار دليلي في العمود 79 اكثر من حيرة الناس في فهم اسرار محادثات الكيلو 101 إياها، ذلك ان صديقي العزيز ـ واسمه الحركي «أ.م» يمتلك مزرعة او عزبة او «ابعدية» بلغة ايام محمد علي الكبير، ولك ان تسميها ما شئت فأنا شخصياً رأيتها ولم ار منها شيئاً ولذلك يصعب علي وصفها بدقة.. لماذا؟.. لأن الصديق «أ.م» لا تحلو له دعوتنا الى هذه المزرعة الا بعد التاسعة ليلا عندما يكون الظلام الدامس قد سربل كل شيء هناك بسواد فاحم لا ترى من خلاله شيئاً. ولست ادري هل هو يفعل ذلك من باب الخوف من عيون الحساد؟ فأنا شخصياً لم ار غير زاروب صغير يؤدي الى ساحة على رأس تلة بها بيت من طابق واحد ولا يسمح لك الظلام الا برؤية رؤوس بضع اشجار قليلة من حولك. واعود الى قصة العمود 79، فكلما دعا صديقي احدا بليل كالعادة يصف له المزرعة بأنها تقع امام العمود 79. وقصة هذا العمود ايضاً محيرة اذ انه يقف بين سلسلة طويلة من مئات الاعمدة في وسط جزيرة الشارع الخارجي الرئيسي المؤدي اليها. ولم اعرف ان البلدية كتبت على كل عمود رقمه المتسلسل حرصاً على «العهدة الحكومية» من الضياع، ولكن الرقم مكتوب بخط صغير مما يضطرك الى تهدئة سرعة سيارتك على الشارع خارج المدينة لكي تبحلق في الاعمدة واحدا وراء الآخر... ناهيك عن المخاطر التي تتعرض لها بسيرك الهاديء في الظلمة والسيارات تكاد تطحنك بسرعتها المخيفة من حولك، وقد تسمع بأذنيك مالا تحب نتيجة الفوضى التي تتسبب فيها سرعة السلحفاة التي تقودها حضرتك. وهنا تلعب «الموبايلات» دورها الحاسم فيهب صديق ناصح آخر للاتصال بي عبر الهاتف المحمول يسألني: «أين انت الآن؟»، واحتار في وصف المكان له في هذا التيه الممتد امامي في عتمة الليل، وبعد عناء واتباع تعليمات الناصح الامين، وبعد عملية حصر دقيق لعدد الاعمدة، وبعد العثور على ما نعتقد انه العمود 79، نستخير الله ونتشجع بالهبوط خارج الطريق الى ممر ترابي امام باب سلكي غامض لا يحمل اية علامة تدل على المكان اللهم إلا «حتة لمبة نيون» تكاد لا تسفر عن شيء الا عن بداية ذلك الزاروب الصغير الذي حدثتك عنه.. ويا ويلك لو كان هناك ضباب!! وتنجح المحادثات الهاتفية ولله الحمد واجد نفسي امام تلك الساحة حيث مدت موائد العشاء وانتظر الجميع تشريفنا. واكاد اشعر بذنب كبير لانني تسببت في معاناة الاصدقاء للجوع بعد يوم عمل شاق. وبعد ان نقضي سهرتنا ـ طبعا دون ان نرى شيئاً من المزرعة إياها ـ تبدأ معاناة رحلة العودة من ذلك المكان المحاط بغموض وعزلة الكيلو 101. ولا تندهش اذا قلت لك إني وجدت نفسي ذات دعوة ليلية من دعوات «أ.م» اسلك طريقاً خارجياً يؤدي الى دولة شقيقة اخرى. واليوم انتهز الفرصة لكي اوجه نداء اخويا على صفحات «البيان ـ 2» الى الصديق صاحب العمود 79 يهيب به ان يجعل دعواته في «عز النهار» لنحقق اهدافا كثيرة في مقدمتها ـ بعد معرفة الطريق ـ التشرف بالتعرف على معالم المزرعة، ولست ادري عند ذاك هل تصدق الحكمة العربية الظريفة: «ان تسمع بالمعيدي خير من ان تراه» ام لا؟ وعندئد يكون لكل مقام مقال.