ما يجري اليوم من حولنا من أحداث أرغم الجميع على تعاطي السياسة، الكبير منا والصغير، فنسبة كبيرة من نسائنا المسنات أصبحن يلاحقن نشرات الاخبار من فضائية لأخرى، يصحون وينمن عليها وحتى في صلواتهن لاتفارق السياسة تفكيرهن فتجدهن يختمن كل صلاة بالدعاء الى ربهن أن يأخذ روح شارون أخذ عزيز مقتدر ويخلص منه البشرية جمعاء. ومعظم ربات البيوت اللائي لم يكن يستهويهن سابقا من برامج التلفزيون سوى الافلام المصرية وبرامج الطهي اصبحن اليوم ملمات بكل ما يستجد من أحداث على ارض فلسطين لابل انهن من اكثر فئات المجتمع حرصا على المقاطعة والبحث عن بدائل لها وترويجها بين معارفهن. أما بالنسبة لأطفالنا فقد كان من شبه المستحيل في الماضي ان تجد واحدا يحفظ اسم رئيس وزراء اسرائيلي والآن فإن اسم شارون يتردد على لسان كل طفل وربما يكون الفضل لداوود حسين وبرنامجه الرمضاني «شارونيات» في فتح اعين اطفالنا على هذا السفاح المجنون. فطفلي ابن السابعة صار بمجرد ان تلتقط أذناه اسم شارون في نشرات الاخبار يكرر عليّ سؤاله المعتاد: «أمّاه هل اصبحت جيوش شارون على مقربة منا؟» ورغم محاولاتي المستميتة طمأنته الا انه لا يزال غير مقتنع كما يبدو، فتارة اجده يحضر خريطة العالم ويطلب مني تحديد موقع بلدنا بالنسبة لاسرائيل وتارة يعرب عن دهشته لعدم تمكن الفلسطينيين من هزم الاسرائيليين بلكمات قوية او ركلات كاراتيه خطيرة. ومع أنني صرت اكثر حرصا على حمايته من مناظر القتل والدمار رحمة بطفولته بعدما ادركت مدى عمق الرعب الذي يسكن نفسه الا ان كل جهودي تذهب ادراج الرياح والسبب في ذلك معرض الصور الدائم الذي يراه على جدران مدرسته والتي وضعتها الادارة لاظهار بشاعة الاحتلال، فقد اكتشفت ان تلك الصور هي مصدر رعبه الدائم. ولا ادري لماذا لا تراعي ادارة المدرسة عامل السن ومدى فداحة الضرر النفسي الذي تحدثه في نفوس هؤلاء الاطفال؟ صحيح انه يتعين تنشئة جيل واع بقضيتنا الاولى وهي القضية الفلسطينية لكن ينبغي ان يتم ذلك باسلوب تربوي على الاقل. فعرض صور تظهر اطفالا رضع ببطون مفتوحة واحشاء تتدلى لاطفال الروضة والابتدائي لا اعتقد انه يجدي في شيء عدا ترويعهم وخلق ازمات نفسية والتسبب لهم بكوابيس ليلية. والاكثر ترويعا من ذلك ما يردده بعض المعلمين الذين لايفقهون شيئا في اصول ومباديء التربية، فاحداهن ارادت اقناع الاطفال بضرورة مقاطعة مطاعم الوجبات السريعة فلم تجد حجة افضل من القول بأن هذه المطاعم تستورد لحوم اطفال فلسطين وتفرمها وتضعها في شطائر البيرجر. ثم ان سياسة الترويع او التخويف هذه التي تنتهجها بعض المدارس لن تفيد الا في تكريس فكرة ان اسرائيل هي البعبع الذي لايقهر وما سوف يترتب على ذلك من تنشئة جيل مذعور مهزوم يخشى المواجهة، فهل هذا هو ما تهدف اليه ادارات بعض المدارس؟ قد يتساءل البعض: وماذا عن اطفال فلسطين؟ واقول ان حتى اولئك يجدون في مدارسهم معالجين نفسانيين مهمتهم اصلاح الشروخ والاضطرابات التي تتولد في نفوسهم جراء ما يشاهدون ويعايشون من فظائع يومية على ايدي جنود الاحتلال حسبما سمعت ورأيت في التقارير التلفزيونية. كم اتحسر على اطفالنا كلما قرأت في الصحف المحلية الانجليزية رسالة من أب او ام من الجنسية الاوروبية يحتج فيها على نشر الصحيفة صورة جسد يسيل منه الدم او جثث ملقاة على الارض او مشهد اطلاق رصاص على الصفحة الاولى واعرابهم عن تخوفهم من احتمال وقوع الصحيفة في ايدي اطفالهم، اما اطفالنا نحن فلا أحد يرأف بهم بعد ان اصبحوا مختبر تجارب بين ايدي بعض المعلمين الهواة ممن تعج بهم مدارسنا الخاصة. وما دام ان ادارات واصحاب هذه المؤسسات التعليمية التجارية مستمرون في حربهم وراء تكديس المال والبحث عن العمالة الارخص فان الضرر النفسي الذي سيلحق بأطفالنا سيصل الى حد يتعذر اصلاحه لو لم يتدخل احد لايقاف مثل هذه الممارسات. لايختلف اثنان اننا نعيش زمنا صعبا وان التصعيد الخطير الذي نشهده لم يسبق له مثيل في تاريخ فلسطين لكن اتركوا الاطفال ينعمون بطفولة بريئة هادئة ولو لبضع سنوات ولا داعي لاستعجالهم، فالصراع بين العرب واليهود لن ينتهي غدا وهو باق الى يوم الدين حينما ستحسم نتيجته لصالحنا كما وعد الله امة الاسلام في القرآن الكريم.