هذه هي المرة الثانية التي ازور فيها منطقة من هذا النوع استخدمت في مرحلة من التاريخ منفى للمجرمين والخارجين على القانون. كانت المرة الاولى عام 1998، وكانت المنطقة هي جزيرة «سولوفكي» آخر نقطة مأهولة بالسكان على الخريطة في شمال روسيا قريبا من مدار السرطان، يومها اضطررنا لركوب طائرة بمحركات مروحية مستأجرة خصيصا للوصول اليها اذ لم يكن هناك وسيلة اخرى. كانت الجزيرة تستخدم منفى يرسل اليه عتاة المجرمين أيام القياصرة، والمعارضون السياسيون إبان الحكم الشيوعي للاتحاد السوفييتي السابق .. وكان المبعدون يتركون فيها دون حراسة اذ الفرار منها في حكم المستحيل، ومن يفكر في ذلك او يقدم عليه يقضي نحبه متجمدا نظرا لأن الماء المحيط بها يجمد ثلاثة ارباع العام تقريبا، وحتى عندما يذوب جزء منه في الصيف فليس ثمة سفن تصل اليها لأنه ليس هناك من يفكر في ذلك. وعليه فقد كان على المنفيين اليها الاعتماد على انفسهم في كل شيء، بدءا من توفير السكن والطعام وانتهاء بتنظيم العلاقة بينهم حيث تصبح السيطرة حينها للأقوى وتسود قوانين الغاب. ويقال ان عدد المنفيين اليها قد وصل في وقت من الاوقات الى ثلاثين الف منفي يعيشون على ارض الجزيرة التي لاتتعدى مساحتها بضعة كيلومترات. الغريب انه لايزال هناك من يعيش في تلك الجزيرة التي انتهى دورها، وقد شاهدت ديرا للرهبان الذين مازالوا يعتمدون على انفسهم في توفير اسباب العيش بزراعة الارض والصيد من البحر وتربية بعض الطيور والماشية. اما الزيارة الثانية التي لم يمض عليها سوى اسبوع واحد فقد كانت هذه المرة لقارة مترامية الاطراف تعاني من ضعف الكثافة السكانية اذ لايقيم عليها سوى تسعة عشر مليون نسمة يتوزعون على مساحة مقدارها سبعة ملايين وسبعمئة الف كيلومتر مربع تقريبا. تلك هي «استراليا» التي يعني اسمها باللاتينية «الجنوبية» وتقع بين المحيطين الهندي والهادي. ورغم ان اقداما كثيرة قد وطأت ارض القارة الاسترالية فإن كتب التاريخ تركز على البرتغاليين والاسبان باعتبارهم اول من لاحظ وجود استراليا في القرن السابع عشر، وتذكر ان الهولنديين قد زاروها في القرن الثامن عشر الا ان صديقنا «دان لوكستون» الذي كلفته هيئة السياحة الاسترالية بمرافقتنا اثناء زيارتنا لمدينة سيدني يصر على ان العرب قد وصلوا اليها عام ثمانمئة وثمانين ميلادية ويستشهد على ذلك بصور المراكب الشراعية التي استخدموها والموجودة في متحف سيدني الذي حال ضيق الوقت وازدحام برنامج الرحلة دون زيارتنا له رغم الحاح صديقنا «دان» وجهوده التي لم تكلل بالنجاح لايجاد فسحة ننجز فيها هذه الزيارة كي يثبت لنا وجهة نظره التي لم يكن لدينا مايدعو الى عدم تصديقها، بل اننا تحمسنا لها دونما حاجة الى زيارة المتحف للتحقق من ذلك. المهم ان احفاد اولئك البحارة الاوائل قد اعادوا سيرة اجدادهم واوجدوا لانفسهم مواقع اقدام في استراليا الحديثة فكونوا جالية لا يستهان بها استقر معظم افرادها في سيدني عاصمة ولاية (نيوسوث ويلز) ومركزها الثقافي حيث دار الاوبرا الشهيرة وجامعة سيدني، وقد سمعنا عمن تولى منهم مناصب سياسية رفيعة مثل «جوهوكي» الفلسطيني الاصل الذي يشغل منصب وزير السياحة والذي خمنا ـ اجتهاداً ـ ان يكون اسمه الاصلي «حقي» فحرف الى «هوكي» و «ستيف براكسي» اللبناني ألاصل الذي يشغل منصب حاكم ولاية فيكتوريا احدى اهم الولايات الخمس التي تشكل الاتحاد الاسترالي الذي يتبع التاج البريطاني! اما لماذا تتبع استراليا التاج البريطاني؟ فهو السؤال الذي يعيدنا مرة اخرى الى نقطة البداية التي ابتعدنا عنها، حيث المستقر والثابت ان القبطان البريطاني «جيمس كوك» قد وصل اليها عام 1770 والقى مراسي سفينته في خليج «بوتاني» ليعلن ضم الساحل للامبراطورية التي كانت لا تغرب عنها الشمس. ثم غادرها لتصل اليها اول دفعة من المهاجرين البريطانيين من اصحاب المجون بعد اربعة عشر عاما من نزول كابتن كوك على شواطئها، وتتوالى بعد ذلك دفعات المهاجرين الذين كان اغلبهم من الخارجين على القانون المراد ابعادهم، وبحلول عام 1829 اصبحت القارة كلها تابعة للتاج البريطاني. ورغم ان مواجهات من نوع ما قد حدثت بين المهاجرين الجدد وسكان استراليا الاصليين من القبائل البدائية الذين يطلق عليهم «البورجونيز» الا انه سرعان ما حل الوئام بين الطرفين، وتم استيعاب السكان الاصليين حتى لم يعودوا يشكلون الآن اكثر من اثنين في المئة من مجموع عدد السكان باعتراف «دالاس» و «مرجريت» اللذين ينتميان الى سكان البلاد الاصليين وقد رافقانا في جولة ذات نكهة خاصة في مدينة سيدني ربما عدنا الى الحديث عنها. ويسجل للمهاجرين الجدد انهم لم يرتكبوا مذابح بحق السكان الاصليين كما حدث في مناطق اخرى من العالم. عمر استراليا الدولة الآن مئة عام تقريبا منذ ان وضع الدستور عام 1891 بموافقة بريطانيا واصبح نافذا عام 1901 غير ان استراليا اليوم رغم اتساع مساحتها وقلة عدد سكانها اصبحت تضاهي احدث الدول الاوروبية ذات التاريخ العريق من حيث التشريع والتنظيم وسيادة القانون بشهادة صديقنا لبناني الاصل استرالي الجنسية «حبيب فرح» الذي يمتلك واحدا من ارقى المطاعم التي تقدم الاطباق اللبنانية في برج يشرف على اهم معلمين في مدينة سيدني هما «دار الاوبرا» وجسر «هاربربريدج» فعندما تكتسب الجنسية الاسترالية والكلام لصديقنا الشاب المتحمس لعروبته، يسدل ستار سميك على اصلك وعرقك ودينك وتصبح امام القانون استراليا فقط دون أي خلفيات اخرى. تحاول استراليا ان تخلق لنفسها شخصية ذات خصوصية رغم حداثة تكوينها من خلال استقلالية قرارها، فهي تعارض على سبيل المثال انتشار الاسلحة النووية ولا تسمح لأي بارجة او سفينة حربية تحمل اسلحة نووية او تستخدم الطاقة النووية بدخول مياهها الاقليمية او الرسو في موانئها. في استراليا اليوم صناعة سياحة نستطيع ان نطلق عليها عائلية، رأينا الكثير من معالمها عبر جولة طرنا خلالها خمسا وثلاثين ساعة، منذ ان اقلعت بنا الطائرة من دبي، هبطنا واقلعنا فيها من خمسة مطارات، واستخدمنا خلالها كل وسائل المواصلات من طائرات نفاثة ومروحيات (يفضل زميلنا نديم نحاس ان نسميها طائرات سمتية) وقطارات بخارية منقرضة يحتفظ الاستراليون بواحد منها للسياح، وبواخر وباصات وسيارات بطبيعة الحال. وكان الانطباع الذي خرجنا به ان ارض «الكانغارو» و «الكوالا» بلد يستحق الزيارة ويتمتع بمرافق سياحية وخدمات تغري السائح بالعودة اليه، كما انها تستحق العودة للحديث عنها لتسجيل انطباعات أدق عن الارض التي كانت منفى للخارجين على القانون فأصبحت وطنا يتطلع الى الانتماء اليه والاقامة به الفارون من اوضاع بلدانهم وقوانينها الجائرة! وتلك ـ في رأيي ـ مفارقة تستحق الاهتمام والعودة اليها.