تقتضي أهمية المرحلة التي يمر بها العالم العربي أن تحدد وبشكل دقيق المصطلحات والمفاهيم التي نستخدمها سواء في خطابنا السياسي أو خطابنا الاعلامي، وذلك حتى نتفادى الوقوع في دوامة ردود الفعل العاطفية، والتي تشبه النباتات الطافية التي تتلاعب بها الأمواج وتتقاذفها في مختلف الاتجاهات. وأنا هنا لا أتهم العاطفة، فهي من أهم العناصر التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات ، وبغيرها يصبح الإنسان مجرد جماد أو آلة لا تتحرك من تلقاء نفسها، فهي تابعة ليد أعلى في حركتها وسكونها، أو باختصار فاقدة لإرادة الفعل الذاتي. ولكن العاطفة وحدها تمثل جهاز الإشغال الذي يعطي إشارة البدء للحركة، ولكنه لا يعطي إمكانية الحركة أو الإتجاه، لذلك فإن الاكتفاء بها قد يؤدي إما إلى احتراق ذاتي في حالة السكون، وإما إلى تحرك غير منضبط لا يقود في الغالب الأعم إلا إلى كوارث محققة، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمعات. ان ما حدث في المنطقة العربية مؤخرا يشبه حال مدينة أو قرية أصابها زلزال أو كارثة طبيعية، ولابد لمواجهة ذلك أن نقارن بين ما يمكن فعله، وبين ما فعله أهل تلك المدينة أو القرية التي مرت بمرحلة الكارثة. فلابد أن أهل هذه المدينة سوف يتحركون على النحو التالي: ـ الرصد الواقعي لحجم الكارثة، وإتخاذ الإجراءات العاجلة لمنع تفاقمها «رفع الأنقاض، إطفاء الحرائق®. الخ» - تحديد أولويات للتعامل لمواجهة الآثار. - بحث الأسباب الحقيقية للقصور في مواجهة المحنة. - التحديد الدقيق للعوامل الداخلية والخارجية المؤثرة. - دراسة موضوعية للإمكانيات الحالية المتوفرة، وتلك التي يمكن توفيرها في المستقبل لمعالجة الآثار ولإعادة البناء. - عدم التهويل أو التهوين من شأن القوى التي أحدثت الدمار، حتى يمكن إعداد خطة زمنية مدروسة لضمان عدم تكرار ما حدث. ـ وظني أن أهل المدينة سوف يتحركون على ثلاث مراحل: ـ المرحلة الأولى :تشمل تضميد الجراح ودفن للموتى والدراسة المتأنية للعناصر السابقة. ـ المرحلة الثانية :تشمل تقدير الموقف في ضوء المعطيات الواقعية والبدء في إعادة البناء. ـ المرحلة الثالثة :تشمل التقدم إلى الأمام بما يتلافى تكرار نفس الحجم من الخسائر مستقبلا. -ـ وبالطبع هناك بعض الاختلافات بين الكوارث الطبيعية، والكوارث التي يتسبب فيها الإنسان ولكن أوجه الشبه كبيرة بين الزلزال الطبيعي، وبين زلزال مركزه إسرائيل يزيد في آثاره عن الزلزال الأول. السلام خيار استراتيجي. وأجد نفسي مضطرا في إطار الموضوع أن أعود إلى موضوع«أن السلام خيار استراتيجي عربي» حيث أنه كان أحد الوسائل المعتمدة لمقاومة الزلزال، ولكنه بدا وكأنه آلة ضخمة لا يعرف أحد مكوناتها ولا كيفية استخدامها لتحقيق الغرض منها وتوقي آثار الزلزال المدمر، وفي البداية أؤكد خطأ التعميم الشائع بأن ذلك يعني تخلي العرب عن القتال أو المقاومة، وأضيف إلى ذلك ما يلي: ـ أن الإنسان يسعى لتحقيق السعادة والرخاء والدعة، ولكن هذا المسعى يتطلب لتحقيقه الأخذ بوسائل تتعارض مع هذا الهدف، فالإنسان يشقى ويكابد ويعاني، وما ذلك كله إلا وسائل تتناقض مع فكرة السعادة أو الرخاء، لكنها تؤدي إليها. -ان السلام كخيار استراتيجي لايمكن الخلاف عليه، ولكن الوصول إليه يتطلب خيارات الحرب بين بدائل عديدة، ومنها بلا شك خيارات قد تبدو متناقضة مع السلام ولكنها تصبح من أهم شروط تحقيقه. ـ أن المقاومة المسلحة ليست فقط مجرد حق مشروع للشعوب المغلوبة على أمرها، وإنما وسيلة جوهرية لايمكن بدونها لأي شعب من الشعوب الحصول على أي حق من حقوقه، لأن الحقوق المغتصبة بالقوة لا يمكن تصور استعادتها إلا بنفس الوسيلة، وتاريخ البشرية نفسه يؤكد ذلك. أن المبالغة في آليات التفاوض السياسي تؤدي إلى تكريس أوضاع القوة على الأرض، وهنا ينبغي أن أشير إلى خطأ آخر شائع عند القياس على التفاوض المصري الإسرائيلي كمثال يراد تطبيقه على التفاوض الفلسطيني /الإسرائيلي، وهو خطأ جوهري للأسباب التالية: ـ أن التفاوض المصري /الإسرائيلي جاء بعد فترة حروب قاسية استمرت لمدة ثلاثين عاما، وجاء في ظل حرب استنزاف وحرب عبور وفرت توا ن نسبي في بيئة المفاوضات. -إن إسرائيل ولأسباب استراتيجية كانت تسعى منذ نشأتها للتوصل إلى سلام مع مصر، وذلك باعتبار وزنها ودورها في المنطقة. - ان الهدف من احتلال سيناء لم يكن بغرض إكتساب تلك الأرض، وإنما لكسر النظام الثوري المصري، ولذلك، وكما أثبتت أغلب الوثائق السرية التي نشر بعضها أخيرا، كانت إسرائيل على استعداد للإنسحاب من سيناء بعد إنتهاء الحرب مباشرة لمجرد موافقة مصر ليس على إتفاقية سلام، وإنما على مجرد التهديد بعدم الاعتداء. - ان وجود الشعب المصري في حد ذاته لا يمثل هاجساً يهدد وجود دولة إسرائيل بعكس وجود الشعب الفلسطيني الذي يمثل استمراره نفيا لوجود تلك الدولة، وخطرا قابعا في العقل الجمعي الإسرائيلي. ـ ان الحد الأدنى الذي كانت مصر تتفاوض عليه كان عودة كامل التراب الوطني في سيناء، بينما لم تضع أوسلو وما تلاها قاعا يمكن وصفه بأنه الحد الأدنى لمطالب الشعب الفلسطيني، بينما حققت إسرائيل منذ البداية تأمينا للحد الأدنى وهو الاعتراف بوجودها كدولة، ومارست بمزيج من الضغط والقوة محاولات للحصول على حد أقصى لمطالبها، وقد تعمدت إسرائيل أن تجعله حدا مرنا يبدو بلا نهاية. - أن ما سمي بسياسة الخطوة خطوة ومراحل التنفيذ في التفاوض المصري /الإسرائيلي قد ارتبط بصفقة واضحة من حيث المكان والزمان ودون ملفات معلقة على شروط غامضة في المستقبل، فقد كان هناك جدول زمني ثابت للإنسحاب من مناطق محددة إلى خط واضح محدد، وهذه الصفقة لم يتمسك بها المفاوض الفلسطيني، حيث وافق على أرجاء موضوعات تعد أساسا لا غنى عنه مثل المستعمرات والحدود واللاجئين والقدس، بل أن الموافقة على إرجاء هذه الموضوعات كان يعني ضمنيا قبول الجانب الفلسطيني بأنها موضوعات قابلة للتفاوض، وأي تفاوض يعني تطبيق مبدأ الأخذ والعطاء وذلك يعني القبول بتقديم تنازلات مستقبلية في هذه الموضوعات. - وواقع الأمر أن سياسة الخطوة خطوة في الإطار السابق لم تكن تعني في الحالة الفلسطينية سوى استمرار التراجع عن الحد الأدنى لمطالبها، مع التزايد المستمر في الحد الأقصى للمطالب الإسرائيلية. - لذلك فإن فيلم شارون بالغاء إتفاق أوسلو وما تلاه «سواء من حيث الواقع أو القانون ) يضع أملا جديدا في تعديل معادلة التفاوض الفلسطينية / الإسرائيلية، فلا يمكن القبول مرة أخرى بمبدأ المرحلة إلا في إطار جدول زمني محدد لصفقة شاملة تتضمن الحدود التي يجب أن يكون الحد الأدنى فيها هو حدود الرابع من يونيو 67 بما في ذلك القدس، ومبدأ إزالة كل المستعمرات في الأراضي المحتلة، ومرجعية واضحة لموضوع اللاجئين على أن يكون للحد الأقصى في المرحلة التمهيدية للمفاوضات مطالبا بتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 181 الشهير باسم قرار التقاسم والصادر في 29 نوفمبر 1947. ولا يعني ذلك عدم الاكتراث بباقي الموضوعات الخاصة بتقدير الموقف ما بعد الزلزال، ومنها مثلا موقف السلطة الفلسطينية وعلاقاتها بباقي الفصائل الفلسطينية أو قضية الوحدة الوطنية وإشكالية المقاومة، وكذلك دور الدول العربية وإستراتيجية العمل، ثم العلاقة مع الخارج وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وجدلية العلاقة مع المجتمع الإسرائيلي®. الخ. لقد آن الأوان أن يخرج الفكر السياسي العربي من أنقاض الزلزال الأخير أكثر قوة وتصميما من حالته بعد الزلازل السابقة، فهذا الزلزال الأخير هو نقطة فاصلة في التاريخ العربي كله، وطبقا لأسلوبنا في التعامل معه سوف يتحدد مصير الأجيال القادمة من أبنائنا، فإذا كان الإسرائيليون يعتبرون أن المشكلة بالنسبة لهم هي صراع وجود وليس صراع حدود، فإنها لا يمكن أن تعني لنا غير ذلك، فإما نكون أو لا نكون. ـ كاتب مصري