في جنيف كما في دمشق وقبلها في المنامة وفي الرياض، بل وفي اكثر من عاصمة شرقية وغربية تجتاح النخبة في هذه الايام، موجة من الجدل والسجال حول مفهوم الهويات الوطنية والقومية والدينية او الطائفية وعلاقة كل واحدة منها باشكال الثقافات المحصنة لها او الاديان الجامعة او النزاعات المنبعثة منها او بسببها مع الآخر، سواء كان هذا الآخر ممن هو ساكن في محيطها او القادم اليها من بعيد. في جنيف كانت الدعوة قد وجهت الينا من قبل مركز الدراسات والابحاث السويسري لشئون البحر المتوسط والوطن العربي بالتعاون مع المعهد الاوروبي للابحاث ومقره بروكسل وبمشاركة فعالة من جامعة جنيف واليونيسكو. وفي دمشق حيث كان النشاط قد اتى في اطار سلسلة من الندوات والمؤتمرات التي اعتمدتها «الايسيسكو» المنظمة الاسلامية للعلوم والتربية والثقافة والتي يشرف عليها الاستاذ الفاضل عبدالعزيز التويجري، وقد جرت المداولات خلالها على مدى ثلاثة ايام بالتعاون مع وزارة التربية السورية بحضور علماء ومفكرين واساتذة جامعات متخصصين في شئون الفلسفة والعلوم الاجتماعية من أميركا والنمسا والمانيا والسويد كذلك من الوطن العربي الكبير. نحن والآخر نحن والاخر كان العنوان الابرز لمجمل النقاشات التي دارت خلال ندوتي جنيف ودمشق في اطار البحث عن صيغة التعايش الممكنة بين اصحاب الثقافات المختلفة والقادمين من تراث حضارات متنوعة. من نحن؟ ومن هو هذا الاخر الذي نريد أو ينبغي ان نتعايش معه رغم كل الحروب «الحضارية» او «الدينية» التي اشعلتها نظرية صدام الحضارات لصموئيل هنتنغتون؟! ورغم الاجواء الذميمة التي افرزتها حوادث 11 سبتمبر الملتبسة والمبهمة؟! هل «نحن» التي عادة ما ينطلق منها النخبة للتأكيد على هوية المتحدث والخطيب أو صاحب القرار الديني أو القومي أو الوطني لا تزال نقية كما كانت عليه دوماً قبل تداعيات مقولات صراع الحضارات والعولمة والحروب الطائفية والمذهبية والقومية المشتعلة منذ ما بعد الحرب الكونية الثانية حتى الساعة ؟! ام ان هذه الـ «نحن» باتت خليطة من عدة ثقافات وعدة مذاهب أو اديان، وبالتالي باتت مركبة الى درجة يصعب معها الفصل الدقيق مع «الآخر» المتصارع معها أو الراغب في العيش أو التعايش المشترك معها! فعندما نقول «نحن المسلمون» ماذا يتبادر الى ذهن المتلقي؟ هل هم المسلمون الأوائل الذين كانوا اقرب ما يكونون الى الترجمة العملية والواقعية لتعاليم القرآن والشريعة السمحاء؟ أم هم المسلمون «الأصوليون» مثلا كما ينعتون من جانب وسائل الاعلام العالمية؟! أم هم المسلمون الحداثيون المنبهرون بحضارة الغرب او قل مدنيته البراقة الساحرة؟! ثم من هو هذا الآخر او المقابل لنا؟ هل هو كل من يقف على الضفة الاخرى من ديننا وحضارتنا اياً كان لباسه القومي او الحضاري او الثقافي؟ ام ان هذا الآخر بات ايضاً متداخلاً ومتشابكاً مع هذه النحن او الأنا التي نتحصن خلفها للدفاع عن هوياتنا الخاصة؟ عولمة متوحشة واسئلة كثيرة اخرى تجتاح اليوم عقول النخبة المثقفة في بلادنا كما في بلاد الآخرين تبحث عن اجوبة تفيد سكان عالم متحول صار مصيره بيد ربان سفينة مشتركة تشق طريقها بمجاذيف عولمة متوحشة للأسف الشديد الى ساحل مليء بالمخاطر والأهوال. الاوروبيون بهوياتهم التفصيلية القطرية منها والثقافية بل وحتى الدينية ابرزوا جميعاً قلقهم الواضح مما سموه بانعدام العدالة وتكافؤ الفرص لدى حليفهم ورفيق دربهم في الحداثة اي السيد الاميركي الطامح بعولمة لا تبقي ولا تذر من خصوصيات الآخر بشيء. العرب والمسلمون شددوا على أهمية الحوار وابقاء ابواب التعددية والتنوع مفتوحاً عند الحديث عن الآخر لعلهم يجدون شريكاً منصفاً يقيهم شرور الانسحاق الثقافي والحضاري او التحول الى أمة منقرضة لا سمح الله فيما لو تكالبت قوى الاعداء عليهم. ثمة من قال بأن كل ما يجري من حروب وتطاحن بين الام والشعوب انما تعود اسبابه الى صراع المصالح والسياسات المتنافرة لاصحاب الشركات المتعددة الجنسية وصيارفة النقود العالميين وان الثقافات والاديان والمذاهب ما هي الا وقود لاشعال نار المعركة لا غير. وقد يكون هذا صحيحاً لا سيما اذا علمنا بأن قادة هذه المعارك لا سيما مجرمي الحرب الاساسيين اليوم هم ابعد ما يكونون عن تمثيل اي دين او حضارة او ثقافة بقدر ما هم معادين للانسانية بكل تلاوينها واطيافها، وقد كانت فلسطين كما هي دوما نقطة اللقاء ومنعطف الافتراق في آن معا. التعايش بين الحضارات ففي حين اجمع العرب والمسلمون على استثناء الصراع حول فلسطين من مقولة الحوار والتعايش بين الثقافات والحضارات باعتبار ان المعركة هناك واضحة وجلية وعنوانها بعيدا كل البعد عن موضوع الهويات الملتبسة ثقافية كانت او دينية او حضارية، وأن الامر يتعلق بحق الانسان بالوجود وبسائر الحقوق الاولية الاساسية التي تداس يوميا بدم بارد على ايدي مجموعة من القتلة وشذاذ الآفاق ممن لا ينتمون لاي دين او ثقافة او حضارة. فإن بعض الاوروبيين وعدد اكبر من الامريكيين وان بدا تعاطفهم يقترب شيئا فشيئا من الحق الفلسطيني لا يزالون على ما يبدو اسرى الجهل بواقع معركة «الهوية الوجودية» التي يخوضها الفلسطينيون بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية والحضارية او الدينية. «فالدين» في فلسطين اياً كانت مكوناته يأخذ صورة «الارض» و«الحقوق» الانسانية لدى الجميع من دون استثناء. وبالتالي فهو ليس ترفاً فكرياً او طقوساً اجتماعية ولا حتى تخندقاً سياسياً او «مذهبياً» فحسب، بل هو بمثابة ان تكون او لا تكون. انه عالم مضطرب لا شك يعيش فيه سكان المعمورة لحظة تاريخية استثنائية تتطلب من الجميع تقديم اوراق اعتمادهم إلى شعوبهم او اممهم التي ينتمون اليها وايديهم ترتعش بسبب القلق والغموض الذي يحيط بهويتهم التي يمثلون بعد ان حولت العولمة المتوحشة كل العالم المتبقي ما بعد «العولمة الاميركية» إلى «اطراف» تبحث عن مقعد شاغر في قطار السرعة المجنون المتجه نحو الهاوية. اذا لم يوقفه المقاومون. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني