في قلبي قدر كبير من الألم لمحنة المواطنين الفلسطينيين الذين يعانون من الفقر والعزلة والاحباط. القائل ـ ويا للعجب ـ هو الرئيس الأميركي بوش.. وأوجه العجب أكثر من أن تحصى أو تعد! فالرئيس الأميركي لا يرى المذابح التي تقوم بها اسرائيل لهذا الشعب الفلسطيني الذي يتألم بوش من أجله. ولا يرى الطائرات الأميركية وهي تقصف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ولا يرى الدبابات الاسرائيلية وهي تقصف المنازل وتغتال الأبرياء. ولا يتذكر ان الاحتلال الاسرائيلي هو سبب نكبة هذا الشعب الفلسطيني الذي يتألم من أجله، وأن الدعم الأميركي هو الذي جعل من اسرائيل ترسانة أسلحة تقليدية وغير تقليدية تستخدم لارهاب العرب، وان هذا الدعم الأميركي هو الذي يحمي احتلال اسرائيل للأرض العربية وهو الذي يمنع الشرعية الدولية من مواجهة العدوان، وهو الذي يستخدم كل الامكانيات السياسية والاقتصادية والعسكرية للدولة الأعظم لإرغام العالم كله على أن يسكت على العدوان الاسرائيلي الأميركي الهجمي الذي تخجل النازية من مقارنتها به. الرئيس الأميركي يتألم لمحنة الفلسطينيين ولا يرى لها الا سببا واحدا لا يمل من تكراره وهو يحمل المسئولية عرفات (الذي لم يكسب احترامي أبدا لأنه خذل شعبه وأضاع فرص التوصل الى اتفاق سلام) كما يؤكد الرئيس الأميركي المؤمن! وقد يكون لياسر عرفات آلاف الأخطاء الكبيرة والصغيرة، ولكن ـ بالقطع ـ ليس من بينها مايشير اليه الرئيس الأميركي صاحب المشاعر الرقيقة! فماعرضه الرئيس الأميركي كلينتون في كامب ديفيد الثانية لم يكن اتفاق سلام وانما كان عقد اذعان واتفاقية لتصفية القضية الفلسطينية والتنازل عن كل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مقابل (دويلة) بلا سيادة، وقدس يتم تهويدها، وأقصى يظل في الأسر الاسرائيلي، وضفة غربية مقسمة الى كانتونات معزولة، وحدود تحت السيطرة الاسرائيلية التي تشمل الجو والبحر وربما الهواء الذي يستنشقه الفلسطينيون. موقف عرفات في كامب ديفيد كان محل اجماع الشعب الفلسطيني بكل فصائل، ولكنه لم يكن محل اجماع الوفد الفلسطيني المفاوض نفسه، ولم يعد سرا ان نصف الوفد(أبومازن وأبوعلاء ومحمد دحلان) كانوا موافقين على الاتفاق ولعل هذا يفسر الكثير من الأحداث منذ هذا الوقت وحتى الآن. فقرار ازاحة عرفات كان النتيجة الطبيعية ـ لدى واشنطن ـ نتيجة موقفه الرافض في كامب ديفيد. واذا كانت الانتفاضة قد أجلت تنفيذ القرار، فإنهاء الانتفاضة والقضاء على المقاومة اصبح شرطا لتمرير المخطط الأميركي ـ الاسرائيلي. ومن يقبلون بما رفضه عرفات جاهزون، وربما انحاز هو اليهم بعد أن تتغير الظروف على الأرض. وهكذا جاء العدوان الوحشي الاسرائيلي المدعوم من واشنطون بكل الوسائل. وهكذا كان الصمت الرسمي العربي بسبب العجز من ناحية والضغوط الأميركية من ناحية أخرى وهكذا كان الاعلان الرسمي بإفلاس الأمم المتحدة بعد أن عجزت حتى عن التحقيق فيما حدث أو تقصى الحقائق في المجازر الاسرائيلية وهكذا خرج عرفات من مهانة الحصار في رام الله ضمن صفقة يبدو أنها فتحت الطريق لصفقات أخرى، وليكون خروجه من الحصار بداية الانحسار للاجماع الفلسطيني وبداية مرحلة تختلط فيها الأوراق وتجري فيها المحاولات لارغام الفلسطينيين على قبول مالا ينبغي قبوله! فجأة.. تذكر الجميع نداء الاصلاح الذي كان مطلبا شعبيا فلسطينيا طوال السنوات الماضية في وجه فساد الادارة وعجز السلطة عن مواجهة متطلبات الانتفاضة وتحويلها الى انجاز سياسي للشعب الفلسطيني. هذا الطلب الذي أهمله عرفات دائما وراوغ في تلبيته اصبح شعار الساعة بعد أن تحول من مطلب فلسطيني الى شرط لشارون والإدارة الأميركية لاستئناف المفاوضات! ولأن شارون لا يمكن ان يكون حريصا على توفير الديمقراطية لشعب يحتل أراضيه وتقيم له المذابح اليومية منذ أكثر من نصف قرن ولأن حكاية غرام أميركا بحقوق الإنسان قد تحولت الى مهزلة لا يصدقها أحد بعد أن ظهر أن حقوق الإنسان الأميركي وحدها هي المصونة أما باقي البشر فعليهم ان يحمدوا الله انهم على قيد الحياة في العصر الأميركي.. فإن حديث شارون والإدارة الأميركية عن (الاصلاح) المطلوب في السلطة الفلسطينية لم يكن الا الاسم الحركي لعملية تحويل السلطة الى جهاز لحفظ الأمة وتوفير الهدوء للاحتلال الاسرائيلي.. على وعد بأن تكون المكافأة ذات يوم هو تحويل (الرؤية) الأميركية حول دولة فلسطينية الى واقع، حتى ولو كانت هذه (الدولة) مجرد كيان كاريكاتوري لا يملك من أمره شيئا، وحتى لو كان الثمن هو التنازل عن كل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وأولها وأهمها حق العودة للوطن المغتصب. الاصلاح المطلوب على الدوام من الشعب الفلسطيني هو الانحياز لمفهوم أن الفلسطينيين مازالوا في معركة تحرير أراضيهم، وان السلطة المطلوبة ينبغي أن تكون قيادة لمعركة تحرير لا تنشغل بتوزيع الأسلاب ولا عقد الصفقات ولا الحصول على التوكيلات من الشركات الاسرائيلية والأميركية وانما بإعداد الشعب لاستكمال مهمة التحرير، وبناء التحالف الوطني الذي يقوم بهذه المهمة. أما الاصلاح الذي يتم فرضه الآن من حكومة شارون والادارة الأميركية فهدفه الأساسي هو ضرب المقاومة لأنهاء الانتفاضة وبناء الجهاز الأمني القادر على استكمال المهمة التي بدأتها طائرات ودبابات اسرائيل المدعومة أميركيا من خلال العدوان النازي الحقير الذي يحاول تصوير المقاومة الفلسطينية المشروعة على انها (ارهاب) لابد أن يتحالف الجميع ـ وفي مقدمتهم السلطة الفلسطينية والحكومات العربية ـ لوقفه! وهكذا بينما كان الشعب الفلسطيني ينتظر ان يكون خروج عرفات من حصاره هو اشارة البدء لعملية اصلاح تنبني على ماحدث اثناء العدوان من صمود بطولي للمناضلين الحقيقيين في جنين وغيرها، ومن هروب بعض القيادات من المعركة، وتقاعس البعض الآخر، وخيانة البعض الثالث ليكون الاعلان ان المقاومة هي الخيار الوحيد للشعب الفلسطيني، وان وحدة المقاتلين هي الضمانة الاساسية للصمود في المعركة، وان الوقت قد حان لكي تخرج الجبهة الوطنية الى الوجود، وليكون القرار هو قرار الجميع.. يتخذونه معا، وينبذونه معا، ويلتزمون جميعا بعدم الخروج عليه. بينما كان الشعب الفلسطيني ينتظر عملية اصلاح حقيقي تهيئ أفضل الظروف لاستكمال معركة التحرير وبناء الدولة، وتجيب عن اسئلة حائرة حول منهج تعامل القيادة منذ أوسلو وقيام السلطة وتم خلال الايام العصيبة والعدوان النازي وتحاول تفسير هذا السباق المحموم بين مماليك السلطة على وراثة عرفات وتقديم أنفسهم للإدارة الأميركية لا للشعب الفلسطيني، ومحاسبتهم على كل ماقاموا به من اعمال شائنة وتصرفات مشبوهة. بينما كان الشعب الفلسطيني ينتظر هذه العملية التي يحتاجها النضال الفلسطيني، كانت الاحداث تتجه الى الناحية الاخرى. وكان عرفات يعلن التزامه بالاصلاحات المطلوبة أميركيا، وكانت الادانة الرسمية الفلسطينية للعمليات الاستشهادية باعتبارها ارهابا! وكان واحد من كبار المسئولين في السلطة يظهر على شاشات التلفزيون ليعلن ـ بفخر شديد ـ ان رئيس المخابرات الاميركية السيد (تينيت) قادم لتنظيم جهاز الأمن الفلسطيني مؤكدا ان تينيت ليس مجرد رجل أمن بل أنه يتمتع برؤية سياسية رشيدة! وبينما كان المسئولون حول الرئيس عرفات يبحثون عن دور لهم في تقرير الأمور، كان الأمر المهم يجري في واشنطن حيث ذهب مستشار عرفات الاقتصادي محمد رشيد والذي كان حلقة الوصل بينه وبين شارون وابنه الى العاصمة الأميركية ثم خرج من اجتماعاته ليعلن انه تم الاتفاق على جدول زمني للاصلاحات الديمقراطية في السلطة الفلسطينية وذلك خلال الاجتماعات التي عقدها مع كبار المسئولين الأميركيين، وأن الجانبين يسعيان الى أحداث تغييرات رئيسية في السلطة في مجال الأمن والسياسة قبل مؤتمر السلام الدولي المتوقع عقده في أواخر يونيو أو أوائل يوليو، وان مساعد وزير الخارجية الأميركية وليام بيرنز وعدد من المسئولين الأميركيين يساعدون في عملية صياغة التغييرات التي تتضمن تقليص السلطة الفلسطينية من 32 وزيرا الى مايراوح 20 أو 19 وزيرا وأن السلطة وافقت على توحيد الأجهزة الأمنية الاثنى عشر في هيكل واحد كما تطالب واشنطن ثم يضيف محمد رشيد لمن لم يفهم كل ذلك مايؤكد المسار الذي يجري تحويل الاحداث اليه فيقول (نحن نعلم ان الولايات المتحدة لن تقبل بوجود ميليشيات مسلحة للتنظيمات الفلسطينية، ونحن نلتزم جهازا أمنيا فلسطينيا مسلحا واحدا، ونأمل أن يساعدنا مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جورج تينيت بتقديم النصح لنا لاعادة تأهيل قوة امنية جديدة وتدريبها). وصحيح أن الأخ أحمد عبدالرحمن الأمين العام للسلطة الوطنية الفلسطينية قد أكد بعد ذلك ان رشيد ذهب لمهمة محدودة في البنك الدولي، وانه غير مخول بأية مهمة سياسية مع المسئولين الأميركيين، ولكن كل من يعرف أسلوب الرئيس عرفات في إدارة الأمور يدرك أن تصريحات عبدالرحمن لا تنفي الاتفاق ولا تغير من بنوده المعلنة أو الخفية. فليس المطلوب - لا سمح الله - محاربة الفساد في السلطة كما كان البعض يرجو، ولا تشكيل جبهة المقاومة على أسس صلبة، ولا القضاء على الخونة والجواسيس الذين يعششون في كل مكان. بل المطلوب جهاز أمني تحت اشراف المخابرات الاميركية ينهي المقاومة الوطنية التي يسميها رشيد بـ (الميليشيات المسلحة) ثم ابعاد المعارضين لنهج التسوية المقترحة داخل السلطة نفسها لتذهب بعد ذلك الى المؤتمر المقترح فلا تنقسم على نفسها كما حدث في كامب ديفيد، بل تقر بما تريده أميركا ومايوافق عليه - بالطبع - شارون! والدور هنا محدد بدقة من جانب واشنطن، والاشخاص ايضا محددون! وهنا ينبغي ان نضع خطا تحت تصريحات لأمين الجامعة العربية عمرو موسى عقب زيارة ولي عهد السعودية لأميركا حيث أكد موسى أن (التفاهمات السعودية والأميركية الاخيرة تعني بوضوح انهاء المقاومة!). ويبدو ان عرفات رغم الاتفاق على تفاصيل عن طريق مستشاره محمد رشيد الموثوق به أميركيا واسرائيليا ـ مازال مترددا في التنفيذ لإداركه بخطورة ماهو مطلوب ولادراكه انه حتى لو قام به فلن يكون رجل المرحلة القادمة. حيث تتسرب الانباء عن عرض خلافته من جانب الأميركيين على أربعة من معاونيه رفض ثلاثة منهم الحديث عن ذلك في هذه الظروف بينما طلب الرابع التباحث حول التفاصيل! ومع تردد عرفات تزداد الضغوط الأميركية عليه وعلى العرب وعلى أوروبا لاحكام الحصار.. فالوقت ضيق والمناخ ملائم في فلسطين بعد الضربات التي تلقتها المقاومة على يد قوات شارون، والانتخابات في ظل الاحتلال الاسرائيلي وجهاز أمن تشرف عليه المخابرات الأميركية وحصار مالي وسياسي على الفصائل الوطنية سوف يأتي بالمطلوب ويؤمن السير في عملية التسوية الأميركية الإسرائيلية. ومع تردد عرفات في تنفيذ مااتفق عليه تتأجل زيارة مدير المخابرات الاميركية، ويتحول المؤتمر المقترح الى مجرد (اجتماع) ثم يكرر الرئيس الاميركي معزوفته المملة عن الرئيس عرفات الذي لم ينل احترامه أبدا والذي يتحمل مسئولية مايعانيه شعبه! والبرنامج الذي أعلنه مستشار عرفات يعني أن الطريق إلى قلب الإدارة الأميركية لن يكون الا على جثة المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها، وان احترام الرئيس الأميركي لعرفات سيكون ثمنه اذا حدث - وندعوا الله الا يحدث - ان يفقد عرفات أي احترام له عند الشعب الفلسطيني والأمة العربية. وتبقى نقطة هامة.. فالاشراف المباشر من المخابرات على جهاز الأمن الفلسطيني المقترح يجري التراجع عنه لكي تقوم بالمهمة أجهزة الأمن العربية (المصرية والسعودية والأردنية) وذلك في اطار تحميل الإدارة الأميركية للدول العربية مسئوليتها في مكافحة (الارهاب!!) واستعادة العملية السياسية. وفي غياب الوفاق الوطني الفلسطيني، ومع احتمالات الصدام الذي يحاول الجميع تلافيه بين الفصائل الوطنية، وبدون اتفاق حاسم حول خيار المقاومة التي تجري محاصرتها بكل الوسائل، ومع افتقاد أي رؤية واضحة للحل النهائي الذي تلتزم به أميركا، فإن التورط العربي في العملية الأمنية الفلسطينية يمكن أن يتحول الى مأساة نرجوا ان يراجع الجميع مسئولياتهم فيها قبل فوات الآوان! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية